“لا تشتري العبد إلا والعصا معه، إن العبيد لأنجاس مناكيد”، هذا البيت الذي قاله المتنبي، في قصيدته، وأشار إليه سلطان زنزبار، في رواية الكاتبة رضوى عاشور، عند حديثه لابنه محمد، وهو يصف حال جهل التابعين – والتي تجسد واقعنا في تلك الأيام- لقوتهم في قوله: “العبيد مناكيد لا ينفع معهم إلا العصا والسياط، إن تتساهل في أمرهم يقلبون أوضاع الجزيرة رأسًا على عقب، وينصبون أنفسهم أسيادًا عليها”(سراج 21).

جسدت عاشور، في روايتها “سراج”، جهل التابعين، وعدم معرفتهم لقوتهم، وأميتهم في التخطيط، بشكل متميز، حين قرر العبيد التخلص من أغلال العنصرية، التي يفرضها السلطان وحاشيته، إضافة إلى تجسيدها خوف السلطة من تابعيها، وسط محاولات متكررة في التصنع لإلهائهم ووضع غشاوة على أعينهم، حول قوتهم الفاتكة، التي إن أحسنوا استخدامها، كادوا ليطيحوا بالسلطان الفاسد المستبد، حيث يظهر في كلامه إلى أحد أبنائه وهو يعظه يقول، “احذر العبيد يا نعمان هم نصف سكان الجزيرة، إن قاموا علينا ضاع ملكنا،  وإياك والتساهل معهم، إن ترى بوادر تمرد من أحدهم، ألق به في القبو ليكون عبرة لغيره” (سراج 22).

خوف، جهل، تهميش، سرقة حق الضعيف، وحلمهم للتخلص من كبتهم وتوقهم للحرية، كل تلك الصور تراها تظهر في رواية عاشور، تلك الرواية التاريخية، عن جزيرة متخيلة في القرن التاسع عشر الميلادي، تجسد فيها كافة التفاصيل الدقيقة، وحياتهم اليومية، وسط الروتين المستغرق، والهموم الحياتية، ومعاناتهم من استغلال المستعمر، وجحود السلطة التي تهمشهم ولا تنظر إلى احتياجاتهم.

على الرغم من استطاعت العبيد الحصول على اللؤلؤ واصطياده من باطن البحر، إلا أنهم لا يملكونه، بل يقدمونه لسيدهم السلطان، ويتقاضون أجرًا يوميًا عاديا، فتأخذنا تلك اللمحة إلى تجسيد آخر كما فعل جورج أورويل، في روايته “مزرعة الحيوانات”، التي كان يصف فيها حال البلدان الشرقية، واستعمار بلدانه لهم، وخطتهم في وضع طابعهم الخاص على أهلها، وسط تملق سلطات تلك الشعوب للإدارة الإنجليزية، ثم يرى بعد ذلك الفلاحون يعملون في الأراضي التي استوطنها الإنجليز، في ظل معاناتهم وتعبهم لري الأرض وزراعتها ولا يأخذون منها شيء، بل يعطونه للمستعمر.

سلطان زنزبار في رواية عاشور، ومستر جونز صاحب مزرعة الحيوان في رواية “أرويل”، شخصيتان قريبتان كل القرب، فكل منهما يضطهد شعبه، ويأخذ أموالهم ويحرم عليهم أشياء ويُحلها لنفسه ورعيته، دون أدنى إحساس تجاههم، في ظل معاناتهم من الكبت والاستعباد، والجوع، الذي استشعرته الحيوانات حينما قال لهم الخنزير العجوز “لماذا إذن نظل نحيا تلك الحياة التعيسة؟.. لسبب واحد معروف..هو أن كل ما نجنيه يسلبه منا الجنس البشري” (مزرعة الحيوانات 25).. ثم يتابع ويقول “أبعدوا الإنسان عن أبصارنا، وعندئذ يزول إلى الأبد السبب الجذري لجوع والمشقة وللتعاسة وللهوان” (مزرعة الحيوانات 26).

التفكير في التخلص من الاستعمار والاستعباد، كان ما يهدف إليه بعض شخصيات الرواية، من عمار، سعيد، حافظ، محمود المصري، تودد، آمنة، وباقي العبيد، عن طريق كلمة السر “سراج”، فبعد أن حفظ العبيد السر وعملوا على صونه، إلا أن جهلهم أدى إلى انقلاب الأمور على أعقابها، فلقد تناسوا أمر محطة المستعمر الإنجليزي، الذي حط في البلاد ولكن بشرط عدم التدخل في شؤونها، فلقد انتهت ثورتهم ضد السلطان المستبد بالفشل على يد بوارق المستعمرين الإنجليز لوقوفهم مع السلطان.

وتبرز أيضًا عاشور في روايتها ضرورة العمل الجماعي والتكاتف، من أجل التخلص من الاستعباد، والابتعاد عن المطالب الفئوية أو التفكير في الذات، وهذا يظهر في قول الحمامة، في إحدى الحكايات التي كان يرويها القاضي لابنه من كتاب كليلة ودمنة، حيث أشارت لصويحباتها بعد وقوعهن في شباك أحد الصيادين، في قولها “لا تكن نفس كل واحدة منكن أهم إليها من نفس صاحبتها، ولكن تعاون فلعلنا نقلع الشبكة فينجي بعضنا بعضا” (سراج70).

جسدت عاشور العديد من الأمور التي تفشت في أيامنا تلك، من الاضطهاد والاستعباد، وجهل التابعين التي تجسده شخصية الفتاة تودد، التي تحلم لتعلم القراءة، والخطأ في تقدير القوة التي يمتلكونها كما وصفه سعيد لحظة أطلق الإنجليز عليهم النيران ووقوفهم جانب السلطان، بالإضافة إلى نظرة الاستعلاء من السلاطين، وأكل حقوقهم، والإنعام على الغير من أموالهم كما فعل السلطان الفاسد مع ملكة انجلترا، وإعطائها وزنها ذهبًا، ذلك المشهد الذي جمعت فيه عاشور رمزي الفساد والاستعمار، كما جسدت في صورة متميزة خوف السلطان من زوال عرشه، بالإضافة إلى استعباده –هو نفسه- من المستعمر الإنجليزي، عندما قام بالتوقيع على عدم الدخول في أي معاهدة أو اتفاقية دون إذن الدولة الإنجليزية.

في النهاية، نخرج من رواية عاشور بالعديد من العظات والحكم، وسط تجسيد حي للماضي الذي يمثل الحاضر والمستقبل، من أن “العبيد” أو كما أطلق عليهم السلطان، “الأنجاس المناكيد” قادرون على التخلص من أي نظام مستبد، مستوحش، مستفحل الظلم والطغيان، ولكن في بداية الأمر، عليهم أن يتخلصوا من جهلهم، وأن يقيسوا قدرتهم وقوتهم، وألا يستمروا في خضوعهم وسط استكبار واستعلاء “السلطان”، بالإضافة إلى أن وضع شخص أو اثنين أو عشرين بالأقبية لن يسكت ثورة العبيد، بل سيزيد من قوتها، ولكن لابد من إماطة غشاوة الجهل من فوق أعينهم.

كاتب المقال مسؤول المالتيميديا بالنجعاوية – قنا