“سبوبة” صفحات الغش الإلكتروني “مافيا جديدة” تهدد المنظومة التعليمية

تكتسب الثانوية العامة اهتماما بالغا في مجتمعاتنا، سواء على مستوى الطلاب، أو على مستوى الأسرة، التي تتشارك هموم الموسم، بدروسه وامتحاناته وأخيرا نتيجة التنسيق، غير أن التطورات الأخيرة في التكنولوجيا وطرق الغش الحديثة، جعلت من نهاية العام وموسم الامتحانات، كابوسا جديدا للطلاب والأسرة، لاسيما بعد انتشار صفحات على “الفيسبوك” تعمل على تسريب الامتحانات، الأمر الذي تعدى مجرد التسريبات التقليدية المحدودة، إلى التربح من وراء هذه التسريبات، ما يعني بحسب خبراء انهيار منظومة التعليم في مصر.

وكان من الشائع سابقا أن الدروس الخصوصية هي مصدر الربح الوحيد من وراء الثانوية العامة، ولكن الموضوع تخطى ذلك، حيث يقول حسام الدين علي، طالب ثانوية عامة، إن الامتحانات أصبحت “موسم بيع أجهزة الغش” كسماعات “البلوتوث” صغيرة الحجم، وغيرها من الأجهزة الغريبة الخاصة بالغش، بل وصل الأمر إلى اكتشاف طبيبين يقومان بإجراء عمليات زراعة سماعات للغش، فضلا عن صفحات التواصل الاجتماعي التي تنشط بشكل غير عادي قبيل بدء الامتحانات، التي تبث الروح السلبية لدى الطلاب المجتهدين بعد تسريبها الامتحانات.

تطور الأساليب

وبعد متابعة جيدة لصفحات الغش الالكتروني لامتحانات الثانوية العامة، رصدت “ولاد البلد” أنها، وأبرزها “بالغش اتجمعنا” تدار بشكل تجاري كبير، فهي أولا لا تقوم بنشر الامتحانات قبل دخول اللجان، كما كان يحدث في الصفحات المشابهة لها مثل “شاومينج” التي بدأت التسريبات منذ 2013، وأعلنت الجهات الأمنية القبض على من يديرها بعد تسريبها امتحان اللغة الإنجليزية، حيث كانت تقوم بنشر الامتحانات عبر صفحاتها قبل الامتحان بوقت كافي، ثم تقوم بعد ذلك هذه الصفحات التجارية بالترويج لمبيعاتها عن طريق نشر الامتحان بعد دخول الطلاب اللجان لكي تضمن ثقة متابعينها.

وبالعودة للحديث عن صفحة “بالغش اتجمعنا” اكشتفنا أنها تقوم بتصوير اسم المادة وتاريخها، للتأكيد على أن الامتحان لديها، ثم تكتب على صفحتها “من يريد الامتحان يراسلني خاص” وعندما مراسلتها ترسل لك رسالة تقول “100جنيه رصيد فودافون والامتحان هايتبعت الساعه 7 يوم الامتحان، ورقة الأسئلة ونموذج الإجابة” ليظهر لنا أن الموضوع يتخطى كونه تسريبات للامتحانات أو محاولة كما تدعي بعض الصفحات بأنها تحاول توجيه الوزارة إلى تغبير المنظومة التعليمية، حيث عبرت هويدا يوسف، والدة إحدى الطالبات، عن غضبها قائله “دي مش مجرد ناس بتسرب امتحانات دي مافيا بس بشكل جديد.. تجارة سوداء.. ربنا يجزيهم عن ضياع مجهود ولادنا طول السنة”.

عقوبة الغش

وعلى صعيد آخر، يشير شاكر جلال، محام، باحث قانوني، إلى أن التعديل الأخير لقانون “الغش وتسريب الامتحانات” شدد العقوبة على المخالفين ليقطع الطريق على كل من تسول له نفسه تسريب الامتحانات من خلال القرار الوزاري رقم ،500 وكذا قرار رئيس الجمهورية رقم 101لعام 2015 الذي بنص على “يمنع عدم الإخلال بأية عقوبة منصوص عليها في أي قانون آخر يعاقب بالحبس مدة لا تقل عن سنة وبغرامة لا تقل عن عشرين ألف جنيه ولا تجاوز خمسين ألف جنيه أو بإحدى هاتين العقوبتين، وكل من طبع أو نشر أو أذاع، أو روج بأية وسيلة، أسئلة أو أجوبة امتحانات تتعلق بمراحل التعليم المختلفة، العامة أو الخاصة، وكان ذلك أثناء عقد لجان الامتحانات بقصد الغش أو الإخلال بالنظام العام للامتحان سواء تمت الجريمة داخل لجان الامتحان أو خارجها، ويعاقب العقوبة ذاتها كل من ساهم بأية وسيلة في ارتكاب جريمة وفي جميع الأحوال بحكم بمصادرة الأشياء المضبوطة محل الجريمة.”

ويوضح “جلال” أن العقوبة التي نص عليها القانون تقضي بأن يعاقب كل من يقوم بتصوير أو نشر أو إذاعة أو ترويج أسئلة أو أجوبة الامتحانات بأي صورة من الصور، أو المساهمة في ذلك، بإلغاء امتحان الطالب في جميع المواد مع إخطار النيابة العامة المختصة لأعمال شؤونها مع تطبيق القرار الوزاري رقم 500 وكذا قرار بقانون رئيس الجمهورية رقم 101″، كما ينص القانون أيضا على “يعاقب كل من يقوم بالغش أو الاستفادة منه أو المساعدة علية بأي وسيلة أثناء الامتحان، وكل من يقوم بعمل يخل بنظام الامتحان، وكل من يقوم بالاعتداء بالقول أو الفعل على أحد القائمين بأعمال الامتحانات أو معاونيهم أو الطلاب أو التحريض على ذلك أثناء الامتحان، وكل من يستخدم الهاتف المحمول بكافة أنواعه أو أي وسائل تكنولوجية تؤدي إلى الغش أثناء الامتحان، وكل من يقوم بمساعدة الغير في أداء الامتحان بدلا منه، وكل من يقوم بإخفاء كراسة الإجابة الخاصة به أو الهروب بها، بإلغاء امتحان الطالب في جميع المواد مع إمكانية تطبيق القرار الوزاري رقم 500 الذي يقضي بفصل الطالب عاما آخر”.

فشل المنظومة

من جانبه، يشير الدكتور هاني شورة، ‏المدرس بقسم المناهج وطرق التدريس بكلية التربية، إلى فشل النظام التعليمي ككل في مصر، مؤكدا أنه لا ينبغي النظر إلى الثانوية العامة خارج الإطار المنظومي للتعليم في مصر، فالثانوية جزء من المشكلة وليست كل المشكلة، بل قد يكون حال الثانوية العامة اليوم هو نتيجة كثير من الأخطاء التي تراكمت عبر عشرات السنين، حيث كان يتم التعامل مع هذه المشكلات من خلال مسكنات وقتية، على حد تعبيره .

ويوضح أن المسؤول الأول من وجهة نظره عن مشكلات الثانوية هو أسلوب التقويم التقليدي الذي يعتمد فقط على مجرد حفظ واسترجاع المعلومات دون وعي، فالطالب يظل طوال العام يلهث خلف الدروس الخصوصية لأنه يجد فيها الملاز الآمن الذي يتناسب مع أسلوب الامتحان التقليدي في نهاية العام، لعلمه أنه ليس أمامه سوى فرصة واحدة تنحصر في فترة الامتحان الختامي، أو ما يعرف تربويا بالتقويم النهائي، ومعنى ذلك أننا إذا نوعنا في أساليب التقويم طوال العام، مستخدمين في ذلك بعض أساليب التقويم البنائية الحديثة، وما يستتبع ذلك من تحديث المناهج والمقررات التعليمية بما يتناسب مع هذه الأساليب فقد نتغلب على أغلب مشكلات الثانوية “.

ويشير “شورة” إلى ضرورة تعديل طريقة القبول بالجامعات دون مراعاة لميول واتجاهات الطلاب، ومن ثم تصنيف الكليات إلى كليات قمة ودنيا، مع ضرورة ربط سوق العمل بتوجهات التعليم الجامعي، فيصبح أمام الطالب خيارات وبدائل متعددة تخفف الضغط العصبي الذي تعانيه الأسرة المصرية.

الوسوم