«سيدة الخط الجميل» لم تحصل على شهادة وأجادت الألمانية لمراسلة نجلها في أوروبا

«سيدة الخط الجميل» لم تحصل على شهادة وأجادت الألمانية لمراسلة نجلها في أوروبا

تذكرك صورتها برائدات التعليم في مصر، ثبات نظرتها واعتدال جلستها يشعرك وكأنها تحمل شهادة عليا رغم أنها ليست حاصلة على أية شهادة تعليمية، هي «آمنه سعد الدين دردير»، من أبناء مركز نجع حمادي، ولدُت في عام 1917، ورحلت عن عالمنا في 1994.

لم تنل «آمنة» حظاً وفيرًا من التعليم، وتوقفت عند معرفة القراءة والكتابة، ولكنها رغم ذلك حظيت بدرجة من الثقافة، ربما لا تتوفر لدى الكثيرين من خريجي الجامعات في وقتنا هذا، نشأت آمنة في أسرة بسيطة حرصت على تعليم أبنائها، وهيأت لهم مناخًا مناسبًا للثقافة والعلم في وقت كان تعليم الفتاة يقتصر على المراحل الأولى فقط، تركن بعده لانتظار من سيأخذها من بيت أبيها لتصير زوجة له.

ولزواج «آمنة» قصة، فقد كان والدها على صله وثيقة بفضيلة الشيخ العارف بالله “أبوالوفا الشرقاوي”، وكان يروي له عن أبنائه كثيرًا، وفي أحد الأيام روى الشيخ “أبوالوفا” لوالد “آمنه” أنه رآها في منامه، وهي تُزف لابن عمها «محمد توفيق» مدرس اللغة العربية آنذاك، وكأن الشيخ كان يقرأ الغيب، فما إن مرت أيام قليلة، إلا وجاء محمد مع والده يطلبان “آمنة” زوجه لمحمد، حينها قرر الشيخ “أبوالوفا” أن يعقد قرانهما بنفسه كما حلم بزواجها، ولم يكن محمد توفيق زوج آمنة إلا متممًا لما بدأته أسرتها، فكان يشجعها على قراءة الشعر والأدب وحفظ الأقوال المأثورة، ونسخها والاحتفاظ بها.

وقد حبا الله «آمنة» بخط جميل، يفوق في روعته وجماله خط أولئك الذين درسوا بمعاهد الخطوط العربية، حتى أنها ما أن كانت ترسل خطابًا لأحد أبنائها أثناء فترة دراسته بالجامعة، إلا وكان الخطاب يجوب الكلية كلها من شدة إعجاب الطلاب بخطها، وقد استغلت آمنه هذه الموهبة فكانت تنسخ الأشعار والأقوال التي تنال إعجابها، وكان أكثر ما تهتم بنسخه هي أقوال وكتابات الشيخ “أبوالوفا الشرقاوي”، الذي ترك في حياتها أثرًا كبيرًا، فمنذ أن كانت صغيرة، وهي مولعة بهذه الشخصية الفريدة من نوعها، وهذه السمات الجليلة التي كان “الشيخ الشرقاوي” يتحلى بها، والتي لم يكن أبوها يكف عن الحديث عنه لها ولإخوتها.

ظلت «سيدة الخط الجميل» مرتبطة بالشيخ “أبوالوفا” في كل مراحل حياتها، فهو من تنبأ بزواجها، وعقد قرانها، وحتى بعد وفاته لم تكن تكف عن الترحم عليه، والحديث عنه لأبنائها بل ولأحفادها بعد ذلك، ويبدو أن الإنسان يتشبه كثيرًا بمن يتخذهم قدوة له، فقد تأثرت بالشيخ أبوالوفا وشابهته في ورعه وحبه للخير، كما تأثرت بالشيخ “محمد متولي الشعراوي”، الذي كانت تنتظر  كل جمعة لتسمع حديثه، وهي تجلس أمام التلفاز لتستمع لكل ما يقوله وتدونه، وتعمل به في حياتها.

وعلى الرغم من سعة إطلاعها وحبها للقراءة والمعرفة، وتلك سمات لم تكن تتوفر في كثيرات من نساء عصرها؛ لكنها كانت تشبههن في الكثير من السمات، التي كادت أن تختفي من عالمنا الآن، فقد كانت محبه لجاراتها، تتمتع بالكثير من الهدوء وحلو الحديث، وكانت مثلها مثل كل الأمهات في عصرها لا يشغل بالها سوى راحة زوجها وتفوق أبنائها، فلم تكن تتوانى في بذل كل غال ونفيس؛ لتوفير كافة سبل الراحة مما يساعدهم على التحصيل الدراسي، وبالفعل حصل أبناؤها جميعًا على شهادات عليا، وعملوا في وظائف مرموقة.

وعندما سافر أحد أبنائها؛ ليعمل في ألمانيا سعت “آمنة” لتعلم الألمانية، حتى تتمكن من كتابة العنوان على الظرف الذي يحوي الخطاب؛ ليصل إلي ابنها، وبالفعل حاول ابنها تعليمها كيف تكتب عنوان سكنه بالألمانية، لكنها بنبوغها الشديد عرفت كيف تكتب خطاباتها كاملة باللغة الألمانية.

لم تحصل «آمنه» على شهادة عليا، وربما لم يعرفها أحد ولم تصبح ممن حققن سبقًا في مجال تعليم الفتيات في مصر، لكنها ورغم كل ذلك تظل مثالاً يحتذى به، وواحدة من نساء الصعيد اللائي يستحققن أن يُلقى الضوء على حياتهن.

الوسوم