عالم فيزياء مصري ينشر رياضة الشهامة في أوروبا .. تعلّمها من الصعايدة

عالم فيزياء مصري ينشر رياضة الشهامة في أوروبا .. تعلّمها من الصعايدة

 

الدكتور عادل رؤوف ماكس بولاد وُلد بمحافظة الإسماعيلية سنة 1951، لأب كان من الرعيل الأول للعاملين المصريين في إدارة قناة السويس بعد أن أممها الرئيس الراحل جمال عبد الناصر وحولها إلى شركة مساهمة مصرية إبان العدوان الثلاثي سنة 1956، وتأثر الدكتور عادل بولاد في طفولته المبكرة وشبابه بظروف احتلال مدن القناة، واتجه لتعلم الفنون القتالية بجانب دراسته العلمية في مراحل التعليم المختلفة.

في بداية السبعينيات سافر إلى فرنسا لاستكمال دراسته، وحصل على شهادة الدكتوراه في الفيزياء من جامعة باريس سنة 1976 في الرسالة العلمية «السلوك الجيوكيمائي لليورانيوم والثوريوم في الرواسب الحديثة»، وتم تعينه مدرسًا بالجامعة ذاتها، وفي مسيرته العلمية قدم 4 أبحاث علمية مهمة بعضها بالمشاركة مع زملاءه الباحثين بالجامعة.

لم يترك «بولاد» هوايته الثانية أثناء رحلته العلمية، وحصل على الحزام الأسود وأصبح معلم كاراتيه باتحاد جامعة باريس الرياضي وتخرج كأستاذ قتال معتمد لفنون القتال سنة 1976، وأسس بعدها بعامين منظمة سيزا الغير هادفة للربح والمتخصصة في دراسات الفنون القتالية وخاصة الكاراتيه، والأيكيدو، وأيايدو،  وبوجيستو، بالتعاون مع أساتذة من اليابان، وجمد نشاطه العلمي في 1978 ليعمل مدير وقائد فرق عمل متعددة الثقافات تعمل في التكنولوجيا الحديثة في شركة معدات رقمية في أوربا.

الدكتور عادل بولاد إلى اليمين مع لاعبي التحطيب من قنا والأقصر
الدكتور عادل بولاد إلى اليمين مع لاعبي التحطيب من قنا والأقصر

تعود جذور والدة الدكتور عادل بولاد إلى محافظة أسيوط، وبحكم ذلك كان يزورهم كلما زار مصر، يقول: أهدى لىّ خالي في أحد الزيارات عصا خشبية كان يلعب بها مع أصدقاءه لعبة التحطيب في الاحتفالات بحكم أنه يعرف أنني أمارس فنونًا قتالية، واحتفظت بالهدية وكنت أتساءل ماذا يعني التحطيب؟ ويضيف: خلال إقامتي في أسيوط في الزيارات وكذلك في محافظة المنيا بدأت التعرف على شيوخ هذه اللعبة الذين يتوارثونها جيلا بعد جيل ويعلمونها لأبنائهم.

في فرنسا استخدم «بولاد» العصا التي أهداها لها خاله في أسيوط استخدامًا مغايرًا، يقول: في مؤتمرات تدريب القادة في عملي الخاص كانت استخدم الموسيقى والعصا لكسر وإذابة الجليد بين المتدربين، فتمرينات العصا تقودهما لاحترام أنفسهما واحترام أحدهما الآخر، فعند التسلح بالعصا على أنغام الموسيقى ينمي القادة مواقف أخري تتسم بالمصداقية و التناغم، فيحولون عدم الثقة، والخوف، و الاجتناب والتبرير والموانع والمجادلات و الانسحاب إلى مواجهات انغماس مثمر، وحينئذ يأخذ انغماسهم الفعال هيئة أخرى أكثر فاعلية وتضامنا من خلال رؤية مشتركة متوافقة مع نجاحاتهم.

لم يكن التحطيب لعبة استعراضية تمارس في الاحتفالات الدينية في مصر الفرعونية مثلما أصبحت حاليًا، فلا يخلو أي احتفال شعب بميلاد أحد الأولياء أو العارفين بالله أصحاب الأضرحة في الصعيد من حلقة كبيرة يلتف حولها الرجال من جميع الأعمار ليمارسوا لعبة المبارزة بالعصا أو لعبة التحطيب في استعراض للقوة والبأس واللياقة ورد ضربات الخصم، في سنة 2000 كشفت عدة مناظر ونقوش على معابد ومقابر فرعونية أبرزها معبد «صاحوري» الذي يعود للأسرة الخامسة الفرعونية تصوّر الفنون القتالية للجيش المصري، كانت هذه الفنون الرماية والمصارعة والتحطيب وهي أقدم الفنون القتالية التي عرفتها البشرية.

الزي الحديث للعبة التحطيب الذي ابتكره عادل بولاد
الزي الحديث للعبة التحطيب الذي ابتكره عادل بولاد

يقول «بولاد»: خلال جولاتي في محافظات الصعيد ومنها الأقصر، وقنا، وأسيوط، وسوهاج، والمنيا، لاكتشاف لعبة التحطيب، وجدت ممارسات معلمو اللعبة قريبة جدًا روحيًا من المدرسين الذين علموني الكاراتيه والإيكيدو في الستينات والسبعينات. فالقواعد العسكرية تبدو لي، بمرارتها و صرامتها، مثل التي شعرت بها سنة 1969 عندما بدأت الكاراتيه والإيكيدو، ويضيف: الجمهور، والموسيقيين، والمحطبتية يقفون في دائرة، ويلقون السلام بعضهم علي بعض وينحنون للتحية قبل أن يعبروا عن أنفسهم من خلال محاورة قصيرة يحاول من خلالها كل منهم أن يقترب إلى رأس الآخر دون أن يلمسه، فالتحطيب ينمي مهارة الانتباه و المخاطبة، والقتال بالعصا يمنح الثقة بالنفس و احترام الآخر.

في 2007 نظم الدكتور عادل بولاد أول دورة تدريب دولية في المنيا، ثم نظم أول استعراض في مهرجان الفنون القتالية في باريس سنة 2010 مع فريق مصري فرنسي مشترك مكون من 25 فردا منهم ثلاث سيدات، ثم في 2012 قام بتنظيم سلسلة من المؤتمرات والعروض في فرنسا بالأخص في متحف اللوفر و في معهد العالم العربي بالاشتراك مع 12 فنانًا مصريًا، وكنتيجة نشأت وتطورت مجموعات باريسية تمارس لعبة التحطيب، وساهم «بولاد» في الملف 922 في اليونسكو لتسجيل لعبة التحطيب ضمن التراث الإنساني، وهو يستعد لإطلاق أول بطولة تحطيب في يوليو المقبل بنادي الصيد بالقاهرة.

الوسوم