لا زلت حتى لحظتي هذه أتذكر يوم تركت منزلنا لألتحق بالجامعة، لا زلت أتذكر حيرتي قبلها ببضعة أشهر حينما لاح في الأفق أمر التقدم للحصول على منحة دراسية بالجامعة الأمريكية في القاهرة.

لم أكن أحلم بمزيد من الدعم والتشجيع كاللذين حصلت عليهما من والداي، فبدلاً من أن يخبراني كما يخبر الجميع أولادهم أنني أستطيع فعل ذلك الأمر، أخبرني كل منهما أنه لا ضير أبداً إن لم أنجح في الحصول على هذه المنحة.

وعندما حصلت على المنحة وحان وقت رحيلي للقاهرة، قدم لي أبواي كافة سبل الدعم الممكنة، كنت على يقين أن رحيلي لم يكن بالأمر الهين بالنسبة إليهم، ولا زلت أتذكر حديثي مع أبي ذلك اليوم، وكأنه دار بيننا البارحة، فقد أوصاني بالحفاظ على الصلوات اليومية، وقال لي يومها: “سأعطيك المال قدر استطاعتي، كلي أفضل الطعام وارتدي أفضل الثياب واحصلي على أفضل مستلزمات الدراسة لكن إياك والنظر لما يأكل ويرتدي أو يفعل الآخرون.”

وفي وقت كان يرى فيه المجتمع المحافظ الذي نشأت فيه أمر الالتحاق بالجامعة الأمريكية “أمراً عضالا”، وليس سوى التحاقاً بمجتمع غاية في الانفتاح والتحرر، لم يقدم لي أبواي سوى الدعم والتقدير لهذه التجربة التي كنت بصدد البدء فيها.

أدين لأمي بالفضل في دعمي حينما تتراكم على عاتقي الأمور، وإن كان هناك ما يجعلني في قمة الفخر فهو أنني جعلت والداي فخورين بي.

كنت ولا أزال في قمة الحظ أن رزقني الله بوالدين يتمتعان باتساع الأفق والقدرة على منح أبنائهم كل التقدير والدعم، فقد كانا يحترمان قراراتي فيما يتعلق بالتعليم والعمل والزواج سواء كانت تلك القرارات توافق رغبتهما أم لا، وفي كل سقوط كانا لي بمثابة الأم، ولطالما شعرت بالأسف لعدم قدرتي على جعلهم فخورين بي في كل لحظة، ربياني لأصبح مستقلة مثابرة لأكن ما أنا عليه الآن.