لم يعد فى قوص الصبر منزع، حين يستيقظ الوطن، وقد اكتست ربوعه بوشاح الحزن والحسرة والألم، وتناثرت دماء أبنائه الذكيه، على جدران المعابد والكنائس، وافترشت جثامينه الساحات والطرقات، مابين طرفة عين وانتباهتها، تبدل الحال، هنا فى وطنى الحبيب، خرج الالاف من الشيوخ والشباب والنساء والأطفال، للاحتفال بذكرى قدوم المسيح عليه السلام إلى مدينة اورشليم، فيما يعرف بأحد الشعانين، تزين جباههم إبداعاتهم الموروثة من صناعات السعف اليدوية، التى سهرو ليلهم وهم يضفرون بنائها واحدة تلو الاخرى.

المشهد المؤلم، بات معهودا فى مثل هذه المناسبات، فما إن تدق ساعات الصباح، حتى يتوقف البث، لم يعد هناك تراتيل مسموعه، ولا صلوات منقولة، ولا أطفال يمرحون، فجأة يتلون المشهد بلون الدم، وتتسارع وكالات الأنباء، وقنوات التلفزة، والمواقع الصحفية، فى نقل اخبار التفجيرات المتتالية، رقم جديد من الضحايا والمصابين، يضاف إلى القائمة، التى باتت تضيق ذرعا بالأسماء التى تكدست فيها منذ سنوات وسنوات.

يسرع رواد مواقع التواصل الاجتماعى على اختلاف مشاربهم، للإدلاء بدلوهم فى تقييم الموقف، والوقوف على ملابسات الحادث، وتقديم التعازى لأسر الضحايا، يضع التلفزيون المصرى على شاشاته الرئيسية الشريط الأسود المعهود، فى إشارة منه لإعلان الحداد الرسمى، تخرج البيانات الرسمية الواحد تلو الآخر، تدين وتشجب، وتكشف عن القبض عن الجناة، او التحفظ على بعض الأشلاء التى يشتبه فى كونها لمنفذ الجريمة.

لم يعد فى قوص الصبر منزع، باتت التساؤلات المشروعة، واجبة الطرح، وبات الحصول على إجابات قاطعة لها فرض لاجدال فيه، لماذا اليوم؟ لماذا تقتل أحلام الفرحة فى الصدور، لماذا تغتال الأيدى الآثمة براءة الأطفال والرجال والنساء؟ لماذا أصبحنا فريقين واحد يعزى والاخر معزى؟

الناظر المتأمل فى تاريخ العمليات الإرهابية الغاشمة التى طالت الكنائس، يدرك فداحة الجرم، ومرارة الحدث، حين تتزامن ضربة الغدر، مع لهفة العيد وفرحته، لابد إذا من قراءة حقيقية للمشهد الراهن، دون إسفاف وتزوير للحقائق، حتى نضع ايدينا على حقيقة المرض، فيسهل علينا معرفة العلاج الناجع له.

لايجوز بحال من الأحوال، أن نستبق الاحداث، ونلقى بتبعية الموقف الراهن، على هذا أو ذاك، ولا يجب أيضا أن نغفل عن ذلك التقصير المشين، الذى تسبب فى وقوع الحادث الأليم، ولا يجب أن ننسى هؤلاء الأبطال الذين جادوا بأرواحهم الذكية فداء للوطن، وحفاظا على المصليين فى دور العبادة، ولا هؤلاء الذين سارعوا بالتبرع بدمائهم لإخوانهم من الضحايا هنا وهناك.

يجب أن تتصدر المصارحة والمكاشفة واجهة المشهد، يجب أن تكون العدالة الناجزة سريعة وملموسة، وأن يكون هناك طرح صريح لكشف ملابسات الحادث الإرهابى الغاشم، دون مواراة أو خجل، فيقدم المقصر للمحاكمة، ويأخذ المجرم جزاؤه، ونعد العدة لئلا نقع فريسة لأحداث أخرى فى المستقبل، وأن يقف الوطن على قلب رجل واحد، فى مواجهة العدو فى الداخل تزامنا مع مواجهته فى الخارج، نشد على يد المصريين جميعا، ونقف فى خندق واحد، ضد الإرهاب الأسود الغاشم، رافضين بكل ما فى الكلمة من معنى، أن تطال يد الغدر أبناء الوطن المفدى.

رحم الله أرواحا ذكية حلقت فى عنان السماء، تبحث عن عدالة تاهت دروبها فى أرض، اختلط فيها الحابل بالنابل، وبات فيها قتل النفس التى حرم الله إلا بالحق، طقسا من طقوس الإرهابيين.