يقولون إن عبدالناصر علام قد مات، مات الأستاذ الشاعر الجنوبي، وأقول لهم «عبد الناصر علام مماتش، إحنا اللي متنا يا استاذ، عبدالناصر علام عايش بدواوينه وقصائده فهو باق وسط السطور والكلمات وفي عساكر دورية وغيرها من الدواوين، سعيكم مشكور يا سادة.

منذ ما يقارب من الـ13 عاماً، كنت طالباً في المرحلة الإعدادية، وكان الأستاذ عبدالناصر علام، مدرساً في مدرستي، أبو بكر الصديق الإعدادية بنجع حمادي، لكني كنت حائراً في هذا الرجل، حيث لم يدخل ولو لمرةً واحدة في شجار مع طالباً او مدرساً في تلك المدرسة.

كان الأستاذ عبدالناصر، معلماً مثالياً، فكان يظل داخل المدرسة حتي الثانية ظهراً، موعد خروج الطلبة، على الرغم من ان مادته كانت مادة فرعية، لا تحسب عليها درجات – مجال صناعي – إلا أنه كان معلماً ملتزماً، يدخل إلى المدرسة في الساعات الأولى من الصباح، وينصرف في موعد انصراف الموظفين المحدد.

علام لم يكن معلماً يعشق التزويغ، مثل شريحة عريضة من موظفي القطاع الحكومي، فلا يخرج الشاعر من المدرسة سوى لإنهاء بعض الأوراق بمبنى الإدارة التعليمية التي كانت تبعد عن المدرسة أمتار قليلة.

في يوم من الأيام، كنت أقف في طابور الصباح كالمعتاد، أقدم فقرات الإذاعة المدرسية، التي أعتدت على تقديمها بشكل يومي بالمدرسة، لأجد الأستاذ عبد الناصر، يطلب مني أن أقدمه في الفقرات الإذاعية، ليلقي أبياتاً من الشعر على الطلاب، بالتزامن مع إطلاق صواريخ من العدو الصهيوني علي أهالينا في الضفة الغربية وقطاع غزة بفلسطين.

بعد أن استمعت لطلب أستاذي عبدالناصر علام، انتابتني حالة من القلق والتوتر جراء ذلك، كيف لي أن أقدم أستاذي في طابور الصباح، وماذا سأقول عنه، إلا أنني قررت أن أقدم استاذي وأقف بجواره وهو يلقي قصائده الشعرية، التي تأثرت بها، ومن الذي لا يتأثر بقصائد الأستاذ !!

ظللت أراقب الأستاذ وأنا أقف بجواره يلقي قصيدته الشعرية، التي  تتحدث عن فلسطين، الغريب أن استاذنا عبدالناصر علام، كانت كل منطقة في جسده، تشعر بمدى الظلم والمأساة التي يتعرض لها الأطفال في فلسطين، وبعد أن انتهى علام من قصيدته، حاز على تصيق حار من الجميع، وليبدأ الطلبة جولة من جولات التثقيف التي اعتاد عليها الأستاذ داخل وخارج المدرسة.

وبعد أن انتهى طابور الصباح، ذهبت إلى علام داخل مكتبه، بعدما طلبني ليقدم لي بعض من الإرشادات في تقديم طابور الصباح والإذاعة المدرسية، وحين سألني عن اسمي وأجبته، بدأ يردد، إنت ابن نبيل بكري، يااه ده أبوك صاحبي، ليأخذنا الحديث قليلاً عن أحوال والدي، الذي يزامله في العمل بالإدارة التعليمية.

بعد تلك المرة، لم ألتق به سوى مرتين بداخل المدرسة وفي المرتين كنت أذهب إليه لأتعلم منه كيف أتمكن من تغيير نبرة صوتي بالإذاعة المدرسية، لم أعرف هل القدر الذي منعني من مقابلته مرةً أخرى بالمدرسة، أم نقل الأستاذ إلى مدرسة أخرى، لا أعرف ولكن الذي أعرفه أن القدر خبأ لي أنني سأقابل الأستاذ بعد ما يقرب من الـ13 عاماً بمقر عملي – إصدار النجعاوية – التابع لمؤسسة ولاد البلد للخدمات الإعلامية.

بعدما مرت تلك السنوات، تجاورت أول مرة مع الشاعر الكبير، في إحدى التظاهرات التى أعقبت ثورة الخامس والعشرين، كتفاً بكتف، ولكني لم أستطع التحدث معه، لتمر أيضاً الأيام، وأتقابل مع الأستاذ في مقر عملي بإصدار النجعاوية، ورددت عليه نفس الجملة التى قالها لي الأستاذ منذ أعوام: «انت مش فاكرني، أنا إسلام نبيل، كنت طالب عندك بالمدرسة، إبن نبيل بكري» كانت تلك الجملة التي قابلت بها الأستاذ مرةً أخري، ونبدأ بعدها في نقاشات وحوارات.

كنت سعيداً جداً حينما أكون أحد أفراد الجلسات التي تجمعني مع أستاذي مرةً أخري، وأتناقش مع الأستاذ عن الدوائر الثقافية والأمسيات الشعرية والثقافية وأندية الأدب وحال الثقافة في مصر بشكل عام وفي الصعيد بشكل خاص.

كنت أجلس إلى جانب الأستاذ أراقبه، وأستمع إلى حديثه وشعره العذب الجميل، معجبًا بما يقوله وبحكاياته الجميلة، ومن بعد أول جلسة جمعتني به ظللت شغوفًا بجلسات الأستاذ ومتتبعًا لأخباره، وحينما أجلس معه، أكون مستمعاً له، ومتأملاً لروحه الجميلة، التى لا ينطفئ اشتعالها بالشعر والأحاديث المشوقة علي الرغم من الإجهاد الذي كان يبدو عليه.

وبعد مزيد من الجلسات التي جمعتني بالشاعر الراحل، والتي استمتعت بها، تقابلت معه مرةً أخري، حينما كان عائداً من رحلة علاجه الثانية، واستمرت الجلسة التي كانت علي أحد المقاهي لأكثر من 3 ساعات، كان يبدو عليه خلال تلك الجلسة، مثل شاب عشريني موفور الصحة، ملامحه الجميلة نموذجية لأبناء الصعيد بسمرتهم المحببة، وملامحهم الواضحة، وطيبة أصواتهم.

وبعد شهور قد مرت علي الجلسة التى جمعتني به، عرفت خبر احتجازه داخل معهد الأورام بمحافظة سوهاج مرةً أخري، أثناء صراعه مع المرض، ولكن هذه المرة لم ينتصر علام على المرض، ومات الأستاذ وشيع الألاف من أصدقاؤه ومحبيه جنازته.

جنازة الأستاذ لم تكن جنازة عادية، فتشييع الجنازة كان مختلفاً عند الأستاذ عن غيره، أصدقائه وتلاميذه وأحبابه الذين قضى معهم عمره، حملوه على الأعناق، وهم يبكون الله يرحمك يا أستاذ عبد الناصر، ولا أحد يصدق أن الشاعر قد مات، سعيكم مشكور يا سادة.