منذ أكثر من 25 عاماً كنت انتظرها، أحنُ وأشتاقُ إليها، دائماً ما أردد تعبت يا أمي، لم يعد في هذا العالم ملاذًا، صار قبيحًا لا يحتمل، انتظرتها كل ليلةً لكي أشكو لها من كل شيئ، ملامح وجهها التي شكلتها في وجداني لم تفارقني، فقد كنت الضعيف كنت الرجل، وأمسى الصبي الباكي والحزين.

فعلى مدار أكثر من عقدين من الزمان وأنا أتذكرها، بل وأبحث عنها وسط الوجوه المختلفة، قد تأتي في رأس السنة أو في الثلاثين من سبتمبر من كل عام – يوم ميلادي – حاملةً الهدايا والورود لتحتفل معي وحيداً لكنها لم تفعل ذلك، لكني كنت أحتفل معها في احلامي وفي خيالي، كنت أشعر انها سوف ياتي يوماً من العمر واعود مرةً اخري الي أحضانها وتحملني طفلاً صغيراً مرةَ أخري.

أيام وليالي عشتها وأنا أحمل أحلامي وآلامي على يدي، انتظرك لكي تشاركيني حملها، فلم تمر ليلة إلا وتذكرتك، وعشت بداخلي، ففي كل حين كنت الصبي الصغير الذي ينتظر الرحمة برؤيتك من جديد، لكي أحاول الاحتماء بك والاختباء خلفك خوفاً من المجهول، متذكراً يوم ولادتي منذ 27 عاماً، عندما نزلت إلى هذا العالم لاهث الأنفاس غاضبا أبكي بشدة؛ وفي بياض الغرفة كان وجهها أول من رأيت، وكان صدرها ملاذا آمنا من شرور العالم، عندما ربتت على كتفي واحتضنتني فعرفت معنى أن تكون معصوماً من الجوع والخوف.

مرت السنوات وكبرت يا أمي ولم أحتفل حتى بالأعياد والمناسبات حزناً على فراقك، فكيف لي أن أحتفل بدونها، فقلبي لن ينساها حتى أخر نفس في عمري، كبرت يا أمي وأصبحت أجرح نفسي ولا أتمكن من لملمة جراحي، فأنت الوحيدة التى تستطيعين مداواة تلك الجراح، فأنت الملاذ الآمن من كل هذا القبح الذي يكسو حياتي بأكملها.

كبرتُ يا أمي، ولم أعد أخافُ عتمة الليلِ أو سوادَه، بل صار أكثر ما يخفيني ليل عتمته غيابك ولم أعد أعدُ النجوم أو أتأمل المغيب، بل صرت أتامل أول لقاء يجمعنا، كبرت يا أمي وفهمت الحياة أكثر، وتيقنتُ أني بدونك لا شيء يُحكى لا شيء يُذكر، وكلما كبرتُ يا أمي زادت جراحي، كبرتُ يا أمي، ولكني مهما كبرتُ وهرمت أكثر وأكثر، أعود حراً إذ أنسى نفسي، وأعيشك أنتِ وأتذكرك، فليس هناك شيئاً يحكي ولا شيئاً يذكر سواك، فأنت الوطن الفسيح الذي يتسع لقلبي حين تضيق الأمكنه.

كبرت جداً يا أمي حين أصبحت أحزن بمفردي، كبرت بسرعة وسرق عمري مني بلحظة لا أعرف كيف مضى ولا متى أمضى، كبرت دون أن ارتوي حبك، ولم أرتوي بعد من حضنك، فلقد أخذتني الأيام ما بين حين ولحين بلمح البصر، كبرت يا أمي ولا زالت أمنياتي التى لم تفارقني تتزايد بلقاؤنا مرةً أخرى، حتي نجاحاتي التي أحققها لم أشعر بها بدونك.

لازلت يا أمي، ذالك الصبي الصغير، الذي يتضرع جوعاً لحنانك ولأحضانك، لازلت يا أمي ذلك الطفل الذي ينسي أحزانه ويمسح دموعه عند رؤيتك، لازلت طفلاً يا أمي أشتاق إلى رؤيتك ورؤية إبتسامتك التي سوف تزيل كل ما عانيته في حياتي بأكملها، فأنت النسيم والهواء الذي أحتاج أن أستنشقه.