الإذاعي فهمي عمر: الإعلام المصري خرج عن الحيادية وابتعد عن أصول المهنة

لسنوات ظل صوته الجهوري يدوي في سماء الإذاعات المصرية، لُقب بشيخ الإعلاميين الرياضيين، كونه مؤسس أول وأشهر برنامج رياضي للإذاعة، ومبتكر أول تعليق وتحليل لمباريات دوري الكرة في مصر، والمؤسس الحقيقي لإذاعتي الشباب والرياضة وجنوب الصعيد، هو الإذاعي القدير، فهمي عمر، أو «الخال» كما يلقبه عشاقه، أول وأشهر صعيدي عرفه ميكروفون الإذاعة‏ المصرية.

*في رأيك، هل تمتع الإعلام المصري بالحيادية والمصداقية في تناوله للأحداث التي شهدتها مصر خلال السنوات الأخيرة؟

**سهل جدًا وصف ما كان يفعله الإعلام المصري بشكل خاص والإعلام الخارجي بشكل عام، إنه لم يكن يمثل المعايير الحقيقية للمهنية الإعلامية، فرغم توافر البيئة السياسية المُشجعة لتطوير آداء الإعلام المصري الحكومي والمستقل، إلا أنه لم يكن عند مستوى طموح الشعب المصري الذي توقع أن تحدث ثورة في وسائل الإعلام المصرية الحكومية والمستقلة، لأنه مطالب بأشياء كثيرة، إذ كان الإعلام في حقيقة الأمر منفصلاً عن نبض الجماهير، ولم يكن المرآة التي تعكس هموم الشعب وطموحاته وأماله وتطلعاته.

*ما الدور الذي لعبته الإذاعة في عملك وفكرك السياسي؟

**لا أنكر أن للإذاعة الفضل الأول في تنمية فكري السياسي، ولكن أهم الإحداث السياسية التي شهدتها أثناء عملي في الإذاعة هو أنني كنت أول من أذاع بيان الجيش في ثورة 23 يوليو 1952، فلقد وجدت رجال الجيش يحيطون بمبنى الإذاعة المصرية، ووجدت الرئيس الراحل محمد أنور السادات بالاستوديو يطالبني بفتح المذياع لكي نبث أول خطاب للثورة، وللإعلان عن انتهاء عهد وبدء عهد جديد.

*رغم نشر الخبر من خلال أكثر من وسيلة وأكثر من جهة،  لماذا تظل المهنية شعار من الصعب تنفيذه؟

**صعوبة تنفيذ المهنية الإعلامية الآن ترجع لعدة أسباب فبعض مقدمي البرامج الحوارية أصبحوا وعاظًا وزعماء،يلقون خطبًا ملحمية، خرجوا بذلك عن مسار الحيادية التي يجب اتباعها، وما نشاهده في تلك الأيام من بعض الإعلاميين يحتاج إلى شيء من التروي فيما يُقَدم، حتى يتم الخروج من تلك المرحلة الراهنة بتثقيف وتوعية الشعب دون العمل على إشعال نار الفُرقة بين الجميع.

*وهل يؤثر اختلاف المؤسسات الإعلامية في توجهاتها على المهنية؟

**كثرة القنوات والإذاعات والصحف الخاصة جعل لكل فئة متابعين، وكلا منهم يكذب ويضلل الآخر، إن الخروج عن المهنية والموضوعية سببه أن لكل فصيل سياسي وسائل إعلامه التي يتسلح بها، بقنواتهم وصحفهم الخاصة، ويحشدونها لمصلحتهم، حيث يفعل ذلك الإعلام الرسمي بكفاءة، بينما تفعله القنوات الخاصة بكفاءة أكبر، والضحية هو الوطن والشعب الذي لا يعلم أين الحقيقة، والكل أصبح يريد انحياز الإعلام لصفه، ولذلك يتهمون بعضهم البعض بعدم الانحياز، وهذا هو المؤسف، ومع ذلك يريد البعض التحيز بشكل أكبر ليتأكد أن الجهة الإعلامية تقف في صفه، وهو ما لا يجب أن يحدث، لأن الحياد هو الذي يعطي المصداقية للجهاز الإعلامي من خلال تقديم وجهات النظر المختلفة.

*كثير من المحاورين يشاركون ضيوفهم الآراء، ما رأيك في ذلك؟

**لا يجب أن يشارك الإذاعي ضيفه نهائيًا، فلماذا أتى به ليحاوره؟ عليه أن يكون على الحياد، وأن يتحلى بالقيم المثلى للرسالة السامية للإعلام، ويجب ألا يتذاكى على المستمعين، فهناك من هو أذكى منه، فكله يتذاكى ويُنظِر ويتفلسف، ولقد ضاق بي ذرعًا ما يحدث في الفترة الأخيرة من الإعلاميين والصحفيين وبعض الإذاعيين.

*هل تعتقد أن الإعلام هو المتسبب في حدوث التباس وانقسام بين الناس في الشارع؟

**هناك نوعًا من الامتعاض والغضب بين طوائف الشعب المصري بسبب ما يتناوله الإعلام في الفترة الأخيرة، فلقد أصبحت هناك حالة من الالْتِبَاس، فلا أحد يعلم أين الخطأ وأين الصواب، لان كلا من النظامين -الحاكم والقوى السياسية- هم السبب في ذلك، فهم يعملون لمصلحتهم الخاصة ولا يعلون شأن مصر، ولكن هذا يوضح أن بعضهم يصنع الإثارة ويبالغ مما يزيد من مشاكل المجتمع.

*بصفتك خبير إعلامي له باع طويل في المجال، ما الذي يفتقده الإعلام المصري حاليًا؟

**على الإعلام المصري بفئتيه الخاص والعام أن يتكاتف من لإعلاء مصلحة الوطن، فلا نريد من يتحدث عن الفئوية،  فالإعلام لم يكن متفاعل بشكل كبير مع نبض الشارع، إذ خلا من البرامج التي تقوم بتوعية الجماهير بمخاطر الإشاعات التي تؤثر على أمن واستقرار المجتمع، كما يجب عدم التركيز على الصراع الدائر بين الأحزاب السياسية من جهة وبين الإسلاميين والعلمانيين والليبراليين من جهة أخرى، وقيام الصحف التابعة لتلك الأحزاب بشن حملات ضد الآخر،  افتقاد بعض وسائل الإعلام للمهنية والحيادية في نقل الأخبار والأحداث، واعتمادها على التقليد بدلاً من الإبداع والمنافسة.

*ما النصيحة التي تبعث بها للإعلاميين حتى ينتهجوها للوصول للحيادية والمستوى المرجو منه؟

**على جميع الإعلاميين بجميع وسائل الإعلام، مرئي ومسموع ومكتوب، ألا يتناسوا أنه يجب عليهم أن يتحلوا جميعًا بالموضوعية في معالجة القضايا ذات الطابع الوطني، وعليهم أن يكونوا مرآة تعكس هموم وآمال وتطلعات المجتمع المصري، فلا تغلب مصالحها الشخصية على مصلحة الوطن، حيث يجب أن تكون هناك موضوعية في القضايا المصيرية، وعلى مقدمي البرامج الحوارية عدم إبداء آرائهم خلال محاورتهم للضيوف، وعليهم جعل ضيوفهم يتحدثون دون الخروج عن الآداب أو التلفظ بألفاظ بذيئة، وكأنهم يمسكون سوطًا يلهبون به ظهر الحكومة، حتى نخرج من تلك المرحلة الراهنة، وأن تحقيق طموحات وتطلعات الشعب المصري لتعود مصر إلى مكانتها بين دول العالم.

* من وجهة نظرك، ما هو الدور الذي يلعبه الإعلام الإقليمي في المجتمع الصعيدي؟

**الإعلام الإقليمي هو الذي ينقب ويبحث عن همومهم المواطنين ,قضاياهم، فهو الأقرب للحدث، وهو الأقرب للحقيقة، على غير الإعلام القومي أو الدولي، ولقد كان في ذهني عمل إذاعات إقليمية أخرى، بعد إذاعة جنوب الصعيد، ولكن عدم توافر دعم مادي هو الذي يقف حائلًا بين الحلم وتحقيقه، ففي إنجلترا توجد إذاعات تسمى “بإذاعة الشارع” لخدمة المواطنين، فهي خدمية في المقام الأول، وجميل جدًا تلك التجربة لـ”النجعاوية“، التي تقدم عمل خدمي متميز لأبنائها، في البحث عن همومهم ومشاكلهم، واكتشاف مواهبهم، فهذا هو هدف الإعلام الإقليمي، حتى يكون المرآة التي تعكس انطباعات المواطنين.

*حدثنا عن ماسبيرو، أحد أركان الجامعة الإعلامية في مصر؟

يجب الاهتمام بماسبيرو، فهو القاطرة التي تجر كل المؤسسات إلى التنمية، هو الجامعة الأثيرية التي بثت اللحن العذب، ماسبيرو قلعة يجب ألا تنهار، ويجب أن نساندها جميعًا، لتصبح ممسكة بعصا الريادة الإعلامية بالشرق الأوسط، فالإعلام ما زال يعاني من تشوهات ترجع لعقود ماضية، وهذا يؤثر على مصداقية الصحافة والإعلام، ومن أبرز الشوائب وقوع الإعلام في براثن الاستقطاب السياسي، فقانون الإعلام، هو جهاز المناعة الذاتي الذي سيقيه من تلك الشوائب.​

«الخال» في سطور

لُقب فهمي عمر بألقاب عديدة، منها الخال، وشيخ المذيعين، وعميد الإذاعة المصرية، وكبير هوارة، ولد في 6 مارس 1928، ونشأ في قرية الرئيسية بمركز نجع حمادي، شمالي قنا، والتحق بمدرسة دشنا الابتدائية ثم انتقل إلي المرحلة الثانوية، ثم المرحلة الجامعية، ثم التحق  بكلية الحقوق كلية الوزراء ورجال القضاء أملًا في العمل بسلك القضاء وانتقل عام‏ 1945 ‏ من قنا إلى الإسكندرية، تم تعيينه في وظيفة مذيع خارج الميكروفون عام ١٩٥٠، وتقلد رئاسة الإذاعة المصرية عام 1982، قرابة 6 سنوات، قبل تقاعده وخروجه على المعاش.

المذيع صاحب اللهجة الصعيدية، تفرد على عرش الإذاعة المصرية، بسبب حنكته وعذب حديثه، ورغم حبه للرياضة، ولنادي الزمالك بوجه الخصوص، إلا أنه استطاع أن يجمع كل عشاق كرة القدم حول ميكرفون الإذاعة، لمتابعة تعليقاته وتحليلاته لمباريات الكرة.

كلمات شهيرة

«إن كان للحظ نصيب في حياتك العملية، فلاجتهادك في العمل نصيب أكبر».

«على كل إعلامي أن يتنافس في إظهار مدى حبه لعمله، وأن يوطدوا عزمهم أن يعطوا المزيد من أجل إعلام جيد».

الوسوم