البازوكا.. حكاية مدفع الإفطار الشعبي في رمضان

البازوكا.. حكاية مدفع الإفطار الشعبي في رمضان

مع حلول شهر رمضان المعظم من كل عام تتوجه أنظار الأطفال والصبية، في المدينة والقرية والنجع، نحو صانعي “مدافع الإفطار” البدائية الصغيرة، لاقتناء واحد منها، أو صيانة قديمها من العام الماضي، حتى لا يفوتهم إطلاق صوته المميز عند الآذان، غير أن الابتكار والحداثة واكبت مدفعهم الموروث، وتحول إلى ما يُعرف بـ”البازوكا”، التي أصبحت الأكثر شيوعًا والأقوى صوتًا وخطورة في رمضان.

 

صناعة موسمية

يروي حمادة أحمد، أشهر صانعي مدفع الإفطار البدائي بشرق نجع حمادي، أن المدفع المعدني المعروف عند الأطفال والصبية يتكون من قطعة من الحديد، بطول 50 سم، مثبت بها من الأمام قطعة مجوفة أخرى من الحديد طولها 10 سم، ومثبت في آخره خيط رفيع، به مسمار سميك نوعًا ما يكون طوله مناسبًا للتجويف الموجود في مقدمة المدفع.

 

 

ويشرح أحمد أن فكرة المدفع القديم تعتمد على تفريغ رؤوس أعواد الثقاب في تجويف المدفع بكميات كبيرة، ومن ثم وضع المسمار المثبت بالخيط الرفيع في التجويف المعبأ بالثقاب، ثم طرقه على الأرض أو على الحائط، فينتج عن ذلك إطلاق صوته الذي يتميز به بين الصائمين في رمضان، وهي صناعة موسمية تنشط خلال شهر رمضان وتختفي بقية العام.

 

 

ويضيف صانع المدافع أن الإقبال على طلب المدفع القديم أصبح نادرًا، بل يكاد يكون معدومًا، بسبب ظهور المدفع الحديث “البازوكا” والتي تعد أقل تكلفة في الصنع وأكثر ربحية، وتتكون من أنبوب من البلاستيك، المستخدم في توصيلات المياه، طوله 50سم، وقطره 5 سم، مثبت في قاعدته علبة من الصفيح، بطول 20 سم، بها فتحة من الأعلى عند قاعدة الأنبوب، وأخرى صغيرة أسفلها.

 

 

“البازوكا” الأكثر رواجًا

ويوضح أشرف حسن، تاجر، أن “البازوكا” هي الأكثر رواجًا بين الأطفال، وقد بلغ سعرها في العام الحالي 15 جنيهًا، بعد أن كانت تباع بخمسة جنيهات فقط في الموسم الماضي، لافتًا أنها تعمل بنوع من الصخور، يطلق عليه اسم البارودة، وتباع القطعة الصغيرة منه بجنيه واحد، وتصلح للاستخدام أكثر من مرة.

 

 

ويشير حسن إلى أن البارود، الذي لا يعرف مصدره الرئيسي، يتم وضعه في “البازوكا” ثم ترج جيدًا، حتى ترتفع درجة حرارتها، ثم يتم إشعال النار عند الفتحة الصغيرة الموجودة في قاعدتها، فينطلق صوتها الذي يشبه صوت البندقية الآلية أو يزيد، على حد قوله.

من اهم طقوس الشهر الفضيل عند الصبية

ويعرب أحمد جابر، طالب، عن سعادته باستخدام “البازوكا” في أيام رمضان، قائلًا إنها من أهم الطقوس التى يحرص عليها سنوياً، حيث يهتم بصناعتها بنفسه، ويصنع منها قطعًا أخرى لأقرانه وأصدقائه، شريطة أن يحضروا مكوناتها الأساسية، ولا يتقاضى منهم أجرًا مقابل ذلك.

ويبين جابر أن مدفع الإفطار أصبح عادة أساسية في رمضان، لاسيما في القرى والنجوع، حيث يجتمع الأولاد عند المسجد في انتظار المؤذن، لإطلاق مدافعهم وإعلام الصائمين بموعد الآذان، برغم ما يتعرضون له من سخط البعض أحيانًا والخطر في استخدامها أحيانًا أخرى.

مصدر دائم للإزعاج

فيما يشكو محمود صالح، متقاعد، من كون “البازوكا” مصدر دائم للإزعاج، وتعرض الأطفال للخطر، لاسيما وأنهم يستخدمون البارود، دون رقابة أو وعي، فضلًا عن تكثيفهم لعدد الطلقات المستخدمة قبيل المغرب، وهو ما يشكل إزعاجًا للصائمين، ويفزع منه الرضع والأطفال، مطالبا بحظر بيع البارود المستخدم لإطلاقها في المحال التجارية والأسواق.

وتطالب أم ريوان، ربة منزل، بإيجاد بدائل صالحة لمدفع الإفطار المُستخدم في القرى والنجوع، حيث انه بات طقسًا لا يمكن الاستغناء عنه، متسائلة لماذا لا يتم تصنيع بدائل آمنة منه، تعمل بمواد لا تشكل خطرًا على الأولاد؟، ومشيرة إلى أن الأطفال والصبية لن يكون من السهل إقناعهم بالإقلاع عن استخدامه هكذا دون بديل.

تشديد الرقابة على الأسواق

ويؤكد علاء فارس، مسؤول حماية المستهلك بنجع حمادي، على المخاطر الجمة الناجمة عن استخدام مدافع رمضان البدائية، التي تفتقر إلى شروط الأمان، وما قد يترتب عليها من إصابات محتملة بين مستخدميها من الأطفال والصبية، لاسيما وأن استخدامها يتم بعيدًا عن مراقبة أولياء الأمور.

ويشير فارس إلى أن الأزمة تكمن في المستوردين، الذين يقومون بإدخال المواد المستخدمة في الإطلاق من الصخور البارودية ومشتقاتها إلى الأسواق، رغم الرقابة التي تبذلها الأجهزة الأمنية للسيطرة عليها، مطالبًا الأجهزة المعنية بتشديد حملاتها على الأسواق، واتخاذ ما يلزم من إجراءات قانونية حيال المخالفين.

بُعد تاريخي لمدفع الإفطار

وحول الأساس التاريخي لمدفع الإفطار، يقول عاطف قناوي، مفتش الآثار الإسلامية ومسؤول الوعي الأثري بمنطقة آثار نجع حمادي، إن الروايات المتواترة تفيد أن غروب اليوم الأول من شهر رمضان لعام 865 من الهجرة النبوية المشرفة، شهد إطلاق أول قذيفة صوتية، خرجت صدفة من أحد المدافع الجديدة، التي أمر السلطان المملوكي خشقدم بتجربتها اّنذاك، والذي تزامن مع حلول آذان المغرب، فظن الناس ساعتها أن إطلاقه يعد إيذانًا بموعد الإفطار، فصارت سنة متبعة حتى يومنا هذا.

ويلفت قناوي أن هذه الفكرة انتقلت إلى البلدان الأخرى، سواء العربية منها أو الأجنبية، وبدأت تستخدم بدورها مدفع الإفطار، وفي الداخل المصري، تنوع استخدام مدفع الإفطار وصناعته عبر التاريخ المعاصر، لاسيما بين الأطفال والصبية، الذين يحرصون بدورهم على اقتنائه وإطلاقه قبيل الآذان، فيما توقف مدفع الإفطار الحكومي بالمحافظة قبل نحو 5 سنوات، لأسباب غير معلومة، وكان يحتل موقعًا متميزًا في صحراء المحافظة، يؤهله لأن يصل بصوته إلى الجميع.

الوسوم