«المنسيون في الأرض» اجتمعوا على الحب لمواجهة الحياة

«المنسيون في الأرض» اجتمعوا على الحب لمواجهة الحياة «المنسيون في الأرض» اجتمعوا على الحب لمواجهة الحياة

لقاءات يومية تجمعهم دون ترتيب مواعيد أو إتصالات هاتفية، يجلسون على مقاعد خشبية لم يفارقوها منذ سنوات طويلة، حتى أصبحت تلك اللقاءات هي الحياة التي تمثلهم، وما دونها كماليات غير مرغوب فيها بسبب قسوة الحياة وإهمالها لهم، حتى أصبحوا “المنسيين في الحياة”.

الضجيج يملأ كل مكان في المقهي، إلا ركنًا واحدًا، يخيم فيه الهدوء، ولا يسمع الجالسون أمامهم سوي خبطات الملعقة في كوب الشاي، وطقطقات قوالب لعبة “الدومينو” على الطاولة، تلك هي مقهي الصم والبكم، الواقعة بشارع الأتوبيس بمركز نجع حمادي شمال محافظة قنا، والتى إتخذها المصابون بـ”الصم والبكم” مقرًا لهم منذ قرابة من 4 سنوات.

جلوس مجموعة كبيرة من الصم والبكم علي المقهي الشعبي بنجع حمادي، يعد تغييرًا في تعريف المقهي، والذي كان يعتبر وسيلة لقضاء أوقات الفراغ لمن بلغوا سن المعاش، ووسيلة للشباب والكبار أيضًا لتعزيز الصداقات، أو لقضاء أعمالهم، واحتساء المشروبات المختلفة وتدخين الشيشية، حتى أصبح مقهى الصم والبكم بالمدينة يمثل حالة إنسانية قد يغير نظرة المجتمع للمصابين بتلك الإعاقة.

أسعد أحمد عبدالراضي، وموسي أحمد علي، وأحمد عبده، ومينا جميل، وعبدالله محمود، ومحمود عبدالفتاح، ومحمد عبدالرحيم، وطاهر محمود، جميعهم مصابون بإعاقة الصم والبكم، تتنوع أعمارهم مابين العشرين إلى الخمس وأربعون عامًا، عززت الإعاقة بينهما روح الصداقة، التي بدأت منذ سنوات، وتستمر بينهما، حتى أصبحت إحدى المقاهي بنجع حمادي تجمعهم في لقاءات مطولة تستمر قرابة الـ4 ساعات يوميًا.

مع غروب الشمس يبدأ التجمع، واحدًا تلو الآخر يأتي لمصافحة صديقه، حتى يكتمل الجمع، يبدأ الحديث بلغة الإشارة فيما بينهم، يتعجب المارون من أمام المقهى مما يفعلون، الجميع هنا يحاول التطفل من أجل معرفة كيف يتفاهمون وعن ماذا يتحدثون.

يبدأ جميعهم بالمناداة على عامل المقهى، منهم من يطلب أن يحتسي المشروبات الساخنة أو الباردة، وتبدأ حلقة ناقشية تدور بينهما، لا يفهمها أحد، إلا أن أحدهما حاول ترجمتها، حيث يتناقشون عن كيفية مرور الأيام الماضية، من يتعرض لمشكلةً أو ضرر، يتناقشون حوله، يحاولون حله، يتحدثون حول أعمالهم، التي تختلف من أبكم إلى أخر، مابين عمال النجارة وعمال تركيب السيراميك، والموظف والسائق.

تظل مجموعة الصم والبكم، قرابة الساعتان، يتحدثون بلغة الإشارة، حول ما يدور في حياتهم، ثم يقررون لعب “الدومينو” مع بعضهم، حتى تبدأ صيحاتهما ومشاجراتهم مع بعضهما البعض أثناء اللعبة، ثم تنتهي جلستهم في آخر اليوم، ويذهب كل منهم إلى منزله، وذلك بعد أن حصلوا على جرعة من البسمة والأمل، عقب جلوسهما مع بعضهما لساعات.

أسعد أحمد عبد الراضي، ترجم لـ”محرر النجعاوية” بإشارات موجزة ما يحدث هنا، حيث أكد أنهم جميعًا أصدقاء، تربطهم الصداقة منذ قرابة 10 سنوات، هناك منهم من يعمل وهناك العاطل وهنالك الطالب، يتجمعون يوميًا على مقهى عرفوها منذ فترة، يحاولون الخروج عن المجتمع الآخر الذي ينفرهم ولا يحاول فهمهم.

أضاف عبدالراضي أنهم أسسوا جمعية لـ”الصم والبكم” ومقرها في قرية بهجورة، ويتجمعون فيها أيضًا بشكل شهري وأحيانًا أسبوعي، وتربطهم علاقات أسرية مع بعضهم البعض، لعبة “الدومينو” أصبحت بالنسبة لهم الشيء الذي يخرجهم عن حالة الملل والاكتئاب التي قد يمرون بها.

وأشار عبدالراضي إلى أن المجتمع لا يتعامل معهم بإنسانية، وهناك مجموعات من المواطنين تنفرهم وتخاف منهم دون سبب، على الرغم من أن قلوبهم يملؤها الحب والمسالمة، لافتًا إلى أن صداقاتهم لم تتأثر طيلة السنوات الماضية، فهناك المسلم والقبطي في المجموعة التي تجلس يوميًا من الصم والبكم.

لم يطلب عبدالراضي شيئًا آخر في نهاية حديثه سوى بأن توفر لهم الحكومة عملًا، حيث ذهبوا مرارًا وتكرارًا لجميع من تولوا مهام محافظ الإقليم، وتقدموا بطلبات لشغل وظائف، إلا أن ذلك لم يحدث، وظلت علاقاتهم لم تتفرق على المقهى، باحثين عن حالة إنسانية تخرجهم عن نظرات المجتمع.

الوسوم