بين الدهشة والسخرية.. فؤادة وزوجها يعودان للتعليم بعد 20 عاما بدعم أبنائهما

بين الدهشة والسخرية.. فؤادة وزوجها يعودان للتعليم بعد 20 عاما بدعم أبنائهما أسرة متحدي الأمية، تصوير: إسلام نبيل

في نجع الجنينة التابع لقرية المراشدة بمركز الوقف، شمالي قنا، كانت فؤادة تجلس مع بعض جاراتها أمام منزلها في انتظار قدوم أزواجهن من الحقول والأعمال المختلفة قرب حلول المغرب. كانت السيدات منهمكات في إعداد بعض الأعمال المنزلية، فإحداهن كانت تقطع بعض الخضروات، وأخرى تخيط قطعة ملابس قديمة، وواحدة تقدم وصفة طعام مجانية لجارتها.

كان حديث الجارات مستمر لا يكاد ينقطع، ويتمحور حول المطبخ وتربية الأبناء، قبل أن تقطعه فتاة صغيرة تمسك بكتاب إنجليزي وهي تتجه إلى فؤادة قائلة “ماما انا مش فاهمة الجملة دي”.

على الفور تخلت فؤادة عن الطبق الذي كانت تقطع فيه الخضروات، وأمسكت بالكتاب لتبدأ دهشة السيدات. كانت فؤادة تمسك بكتاب صغيرتها وهي تنطق كلمات الإنجليزي بطلاقة، تترجم أحيانا وتتحدث أخرى وتصلح للصغيرة نطق بعض الكلمات، حتى خيل للجيران أن هذه المرأة لم تكن هي الجالسة بينهن منذ لحظات وتغرق معهن في حديث تقليدي عن أعمال المطبخ والتربية.

أسرة متحدي الأمية، تصوير: إسلام نبيل
أسرة فؤادة- تصوير: إسلام نبيل

بعد ساعة انفض مجلس السيدات، بعد أن ذهبت كل منهن لاستقبال زوجها مع حلول المساء، لكن إحداهن لم تنس ما فعلته فؤادة، ولم تزل الدهشة تحيط بهن، فكيف تتحدث امرأة مثلهن الإنجليزي وتساعد ابنتها في استذكار دروس هذه المادة الصعبة؟

قبل 20 عاما

كان قد مر نحو 20 عاما، وفؤادة تكتفي بحمل لقب “ربة المنزل” وحتى الجيران لم يعرفونها إلا كامرأة مثلهن، لكنها الآن أصبحت علامة مميزة وسط الجميع في القرية فهي الوحيدة التي تتحدث الإنجليزية في هذا النجع الصغير، فكيف كان لها ذلك ومن علمها وسط هذا النجع المترامي.

كل ما كان يعرفه الناس في هذه القرية هو أن فؤادة لم تكمل تعليمها وخرجت من المدرسة لتتزوج من ابن عمها، هكذا جرت العادة في هذه القرية، لكن لم يكن أحد يعلم أن فؤادة خرجت من مرحلة الثانوية العامة قبل الامتحان بشهور قليلة، نزولا على سلطة العادات والتقاليد التي لا ترى المرأة إلا في بيت زوجها.

كان الزوج نبيل “ابن العم” يعمل في الخليج، وتم الزواج بشكل تقليدي، إذ كان الزوج لا يأتي إلا مرة واحدة في العام، إلى أن استقر تماما بعد شراء سيارة يعمل عليها لكسب قوت يومه.

3.أسرة متحدي الأمية، تصوير: إسلام نبيل
أسرة فؤادة-تصوير: إسلام نبيل

كانت الحياة سعيدة، ورضيت فؤادة بقدرها لاسيما بعد ما لمسته من تفاهم الزوج وبعد أن أنجبت منه أربعة أبناء، حرصت على إلحاق بعضهم بمدارس اللغات، ومارست حبها في العلم من خلال مساعدة أبنائها في استذكار دروسهم دائما، لكن بعد موقف الجيران بدأ كل شيء يتغير، ومعه تزداد الدهشة أيضا.

الحلم يستيقظ

في أحد الليالي، وبعد انتشار خبر تحدث فؤادة الإنجليزية، وبينما كانت الأسرة تتجمع أمام الحطب المشتعل للتدفئة، طرحت إحدى بناتها فكرة أن تكمل أمها التعليم.

ولدهشة فؤادة وجدت أن زوجها متحمس للفكرة بقوله لها “لو عاوزة تكملي تعليم كملي” وهنا لم تتخلَ السيدة عن الفكرة “مسكت فيها بإيدي واسناني”.

قررت فؤادة العودة للمدرسة، ولكن ليس بمفردها، فقد أقنعت زوجها هو الآخر باستكمال تعليمه، بعد أن خرج من المرحلة الإعدادية هو الآخر.

بدأت فؤادة وزوجها في التواصل مع مسؤولي التربية والتعليم بمركز الوقف، الذين قرروا عدم إمكانية استكمال تعليمها بالثانوية العامة، إذ كان المتاح أن تنتظر سنة أخرى للالتحاق بالثانوي التجاري فقط، وهو ما أقدمت عليه.

أسرة متحدي الأمية، تصوير: إسلام نبيل
فؤادة تذاكر لأبنائها- تصوير: إسلام نبيل
الأسرة المتعلمة

وبعد عام من أحلام العودة للمدرسة، تغيرت الحياة تماما داخل هذه الأسرة، فالأم (٣٨ عاما) في الدبلوم، كمرحلة تمهيدية للالتحاق بالتعليم المفتوح، والأب (٤٨ عاما) أصبح تلميذا في المرحلة الإعدادية، بينما أصبح الأبناء (من رياض الأطفال إلى الاعدادي) هم من يشرفون على مذاكرة والديهم، ففي المساء يجلس الجميع على الأرض ويتعاونون جميعا في فهم دروسهم، في مشهد لا يكاد يتكرر في أي أسرة لها الظروف نفسها.

ومرة أخرى تعود الدهشة لهذه القرية، إذ في أيام الامتحانات كانت القرية في الصباح تُفاجأ بالأسرة، من الأب والأم والأبناء، كل في طريقه ناحية مدرسة مختلفة، ممسكا بكتاب يراجع فيه دروسه قبل الامتحان، الأمر الذي لم يخلو من فخر بالنسبة للبعض واصفينها بالأسرة المتعلمة، وأيضا من تهكم وسخرية للبعض الآخرين، مطلقين انتقادات لاذعة من قبيل “بعد ما شاب ودوه الكتاب”.

أخيرا تخلت فؤادة عن العباءة السوداء “الزي الصعيدي” وأصبحت ترتدي ثياب المدينة، مؤكدة أن أحلامها لا تقف عن مرحلة الدبلوم، وإنما تسعى للالتحاق بالجامعة، ولو من خلال التعليم الفتوح، وفي الوقت ذاته لم تنس مشوار أبنائها التعليمي، مقدمة لهم كل ما تملك من علم لمساعدتهم، وأيضا زوجها، الذي لا تزال تساعده أيضا.

الوسوم