«جابر» يعيد فيلم الصرخة في أبوتشت .. قصة تحدي للإعاقة

بملامحه الجنوبية التي ارتوت من شمس الصعيد، سمراء، تسر الناظرين، تغنى بها الشعراء والفنانون منذ قديم الأزل، وابتسامة رائقة عذبة كماء النيل الذي يمشي في عروقه ، يقابلك “جابر”، الذي لا تنفك حين تعرف قصته إلا أن تتذكر “نور الشريف” فيلم “الصرخة”، حيث “عمر” الأصم الذي أبى الاستسلام للإعاقة، وعمل “ميكانيكي”، وحقق مكاسب بفضل ذكائه واتقانه لعمله، ولكن الفارق أنك ترى  القصة هنا حقيقة  قائمة في إحدى قرى مدينة أبو تشت، يتميز بالخصال نفسها، البشاشة ورقي التعامل والذكاء، ومن ذوي القدرات الخاصة أيضًا، أصم مثله، واختار المهنة نفسها، ميكانيكي، وامتلك أخيرًا ورشته الخاصة.

جابر عبدالحميد، هذا هو اسمه، في العقد الرابع من العمر، تعكس ملامح وجهه، ما لاقاه من صعاب، صنعت منه نموذجًا يحتذى به  في قهر المستحيل، والإعاقة، فابن قرية “الزرايب”، بمدينة أبوتشت، شمال قنا، ولد في أسرة بسيطة، لوالد يعمل باليومية، و7 أخوة هم، محمد، جابر، حمادة، حمد، نادية، رضا، سمر، هو الرابع بينهم، وُلد “جابر” بإعاقة سببت له الصمم، ولأربعة من إخوته.

 

ترك “جابر” المدرسة في سن الثانية عشرة، وعمل في مهنة “عجلاتي”، ثم عمل في إصلاح إطارات السيارات، لدى إحدى الورش بالمركز، لمدة تتجاوز 20 عامًا، وحين سألته – نعم سألته، لا أعلم كيف له أن يفهم حديثي، وكيف لي أن أفهم حديثه بكل سهولة، رغم أنه لم يتعلم حتى لغة الإشارة- عن معاناته طوال السنين الماضية، أجاب بإشارة مع نفس عميق، جسّد دون خلل في التصوير، مدى معاناته، أن حلمه كان أن يعمل بورشة يمتلكها هو، ويدرس في نفس الوقت..

فدفعه طموحه للذهاب إلى معهد التأهيل المهني بفرشوط،؛ ولكن لبعد المسافة والظروف المعيشية لم يستطع الاستمرار، فتركه قبل إنهاء دراسته، وأكمل “جابر” بإشارات تتحدث عن إصراره وعدم استسلامه للظروف، وطموحه ورغبته الشديدة في إثبات قدرته على فعل ما لا يستطيع كثيرون فعله وهم أصحاء، فظل يعمل طول 20 عامًا حتى استطاع أن يحقق حلمه في امتلاك ورشة خاصة، أقامها في منزله منذ 8 سنوات تقريبًا، فهو لم يكن له دخل سوى تلك الورشة.

يتقاضى راتبًا من التضامن الاجتماعى يبلغ 300 جنيه تساعده في العيش هو وأسرته الكبيرة، المكونه من 24 فردًا في منزل واحد، هم إخوته وأسرهم وأخواته البنات، وأسرته الصغيرة المكونة من زوجته، وولديه محمد (17 عاما) وعماد (11 أعوام).

وتروي عايدة قاسم، ابنة عمه التي تزوجها منذ 18 عامًا، أنها لم تشعر يومًا بأن جابر أصم أو لديه أي إعاقة، بل على العكس، فكان دائمًا يفهم ويحلم ويعمل؛ ليحقق أحلامه البسيطة، وأشارت إلى أنه ارتاح قليلًا منذ أن فتح الورشة، برغم أنها لا تأتي برزق ثابت أو كثير، خاصة بعد غلاء الأسعار المستمر،.

سألت “جابر” عن حلمه، أو ما يطلبه من الدنيا، فأجاب دون تردد بعد أن اعتلت الابتسامة وجهه الأسمر، ثم مسح جبينه بيده وقبلها ورفعها للسماء، ففسرت زوجته الإشارة بأنه لا يريد سوى أن يواصل عمله ويتكسب من عرق جبينه، وأن يعلم أطفاله حتى يصلوا إلى المرحلة الجامعية.

 

 

الوسوم