حكاية من دفتر حزن محطة مصر ترويها «أم مكاريوس»: ابني مشفش دنيا

حكاية من دفتر حزن محطة مصر ترويها «أم مكاريوس»: ابني مشفش دنيا

كتب: أبوالمعارف الحفناوي وأيمن الوكيل

أكثر ما لفت أنظار الحاضرين بكنيسة ماريوحنا الحبيب، بمدينة نجع حمادي، شمالي محافظة قنا، اليوم الأحد، أثناء تشييع جثمان المهندس الشاب مكاريوس، سيدة بدت ابتسامتها وشموخها شاهًدا على ما يجيش بصدرها من رضا بقضاء الله وقدره.

جلست السيدة المكلومة بين الحاضرين لأداء الصلاة على جثمان ابنها، تسافر بعينين مملوءتين بحزن عميق، بين مشاهد اليوم والأمس، وكأن لسان حالها لا يصدق أن الراقد في هذا التابوت هو نجلها الشاب، ورغم عنها يكشف ثغرها عن ابتسامة باهتة وكأنها تذكرته وهو يخطو صغيرا بين يديها أو لعلها تذكرته عريسًا في الأرض قبل أن تحتسبه عريسًا في السماء.

جلست الأم الثكلى تستمع إلى العظة الدينية في ثبات وصبر وشموخ قبل أن تطلب أن يأذن لها بالكلام، ليخيم الصمت على الحاضرين الذين بدا جلال الموقف وقدسيته حاجزًا بينهم وبين الكلام، وكأن الزمان تضامن معهم في الاستماع إلى حديثها.

قالت السيدة المسنة، إنها وزوجها تجاوزا سن المعاش، وقد أدت رسالتها في تربية أبنائها على أكمل وجه وأحسن حال.

وشكت الأم المكلومة، أمر حزنها لربها قبل أن تنطق حروفه بالكلام، قالت موجهة حديثها لنيافة الأنبا كيرلس الذي ترأس الصلاة: “هو ينفع ياسيدنا ابني اللي كان طالع علشان يسافر ويبني مستقبله يرجع لي محروق في صندق، ينفع كده ياسيدنا”.

انفطر قلب الحاضرين مع بثها وحزنها، قبل أن يجبها الأنبا كيرلس: “اصبري فقضاء الله كله خير”.

“إحنا من أسرة فقيرة وولدي كان طالع يكوّن نفسه ورجع محروق”، بهذه الكلمات، قاطعت والدة “مكاريوس”، أحد ضحايا حريق محطة مصر، حديث نيافة الأنبا كيرلس، أثناء مراسم تشييع جثمان نجلها.

وأضافت أن ابنها خريج كلية الهندسة، وكان يُجهز نفسه للسفر للإمارات، لكسب لقمة العيش وتكوين مستقبله، إلا أنه لم يُكمل ذلك، متابعة: “يا ريتني كنت أنا بداله، ده هو لسه صغير ومشافش دنيا، وقهرتي أنا هرجع البيت من غيره ومش هشوفه تاني”.

وخاطبها أسقف نجع حمادي، قائلًا: “افترضي راح الإمارات ومات هناك ومشوفتيش حتى جثته، الأفضل انك تشوفيه هو وخارج والناس كلها جات ودعته بالشكل ده.. ابنك يا بخته مات عريس”.

وتابع: “ابنك اهتمت به الدولة من أول رئيسها وحتى جميع الأجهزة المعنية والمواطنين، وهذا ظهر في تشييع جثمانه”، مردفًا “وعسى أن تكرهوا شيئًا وهو خير لكم”.

وكان الآلاف من أبناء نجع حمادي، شيّعوا ظهر اليوم الأحد جثمان مكاريوس راضي وديد، أحد ضحايا حريق قطار محطة مصر، في جنازة شعبية، ترأسها اللواء عبدالحميد الهجان، محافظ قنا، والقيادات الشعبية والتنفيذية والدينية بنجع حمادي.

ومع انتهاء الصلاة حمل الشباب شقيقهم المتوفى فوق أكتافهم وزفوه عريسًا للسماء بزغاريد اختلطت بالنواح والبكاء، ممزوجة بدعوات بالرحمة على هذا الشاب المسافر في مشواره الأخير.

اقرأ أيضًا : صور| بالموسيقى الجنائزية.. تشييع جثمان «مكاريوس» ضحية حادث قطار محطة مصر

الوسوم