صور| 15 عامًا في حضرة “الجثث”.. حكاية عامل مشرحة مستشفى نجع حمادي 

صور| 15 عامًا في حضرة “الجثث”.. حكاية عامل مشرحة مستشفى نجع حمادي  طارق زغلول أمام ثلاجة حفظ الموتى بمشرحة نجع حمادي - تصوير: إسلام نبيل
الحديث عن الأموات يحمل تفاصيل عدة، حكايات كثيرة تختلط فيها الحقيقة بالخيال، البعض لا يحب التطرق لهذا الأمر من البداية، وآخرون يكتفون بترديد الأساطير التي تتناقلها الألسن حول “حكايات الموتى”، غير أن من تدفعه ظروفه المعيشية وواجبات وظيفته للبقاء وسط الجثث لسنوات طويلة، بالقطع يمتلك – دون غيره – الحقيقة الكاملة عن البشر الذين يعبرون من البوابة الأخيرة للدنيا إلى العالم الآخر.
داخل غرفة إضائتها خافتة، لا تتجاوز مساحتها 5 أمتار، وفي بقعة صغيرة تنبض بالألم في مركز نجع حمادي شمالي محافظة قنا، تدور في زواياها الممتلئة برائحة الموت وأسرار النهايات قصص يرويها طارق زغلول نبيل، 42 عامًا، والذي يعمل في مشرحة مستشفى بهجورة التكاملي منذ 15 عامًا.
من داخل مشرحة مستشفي نجع حمادي، تصوير: إسلام نبيل
من داخل مشرحة مستشفي نجع حمادي – تصوير: إسلام نبيل
مشرحة نجع حمادي
“بدأت عملي في مشرحة مستشفى نجع حمادي، حينما كانت في مقرها القديم بالقرب من منطقة شارع التحرير، منذ عام 2004، ولا أنسى يومي الأول في العمل، والذي كان أصعب أيام حياتي، لأني لأول مرة أتعامل مع جثث بشكل عام، خاصة تلك التي أصيبت بطلق ناري، أو توفيت بشبهة جنائية، وكذلك ضحايا الحوادث والغرق، أذكر حينها تضارب شعوري بين الخوف والقلق والتوتر، ولم أذق طعم النوم في ذلك اليوم”، هكذا يروي طارق زغلول كيف بدأ عمله بالمشرحة.
طارق عامل المشرحة - تصوير: إسلام نبيل
طارق زغلول عامل المشرحة – تصوير: إسلام نبيل
أصعب الحوادث
يتذكر زغلول أصعب الحوادث والجثث التي مرت عليه، “أصعب حادث أثر فيا كان في عام 2006، حين غرقت العبارة السلام 98 التابعة لشركة السلام للنقل البحري، والتي خرجت من ميناء مدينة ضبا السعودية إلى سفاجا، وكانت تحمل 1312 مسافرًا، فحينها لم أتمالك نفسي من الحزن والبكاء حينما شاهدت منظر الجثث التي وصلت المشرحة”.
“وشاهدت أيضًا ما يقرب من 14 جثة من أهالي مدينة نجع حمادي والمدن المجاورة، منهم من بترت يديه وساقيه، ومنهم من لم يتواجد من جسده سوى أشلاء، وهي من أصعب المشاهد التي قد يراها أي شخص، خاصة حينما أرى نظرات الألم والحسرة والحزن في عيون ذويهم”.
ولحوداث الطرق الأثر الأكبر على عامل المشرحة، والتي كان آخرها حادثة طريق الأربعين بنجع حمادي، منذ شهور قليلة، وراح ضحيتها ما يقرب من 9 أشخاص من بينهم رجل وزوجته، “بتأثر فيا حوادث الطرق لأني بشوف الجثث أشلاء”.
طارق زغلول في مقر عمله - تصوير: إسلام نبيل
طارق زغلول في مقر عمله – تصوير: إسلام نبيل
طبيعة العمل
وتدور طبيعة عمل عامل المشرحة، بين استلامه للجثة من المسعف أو من عمال المستشفى، ثم يدخلها إلى أحد الأدراج بالمشرحة ليتحفظ عليها، حتى يحصل على الجواب الخاص بالجثة ويقوم بتسليمه إلى نقطة الشرطة، حتى يتم استخراج تصريحات النيابة العامة والإجراءات القانونية، وهناك حالات يأتي الطبيب الشرعي لتشريحها ومعاينتها مثل القتل.
يتحدث طارق زغلول عن جثث ظلت لفترة طويلة داخل مشرحة مستشفى نجع حمادي، قائلا “كان في جثة لرجل مجهول كان فاقدًا للذاكرة قبل وفاته، وظلت قرابة 110 أيام بالمشرحة، وجثة لفتاة مجهولة الهوية عثر عليها غارقة، ظلت لما يقرب من 130 يومًا دون التعرف عليها لتسليمها لذويها، وتلك كانت أطول فترة لبقاء جثة بالمشرحة، مع العلم أن الجثة إذا ظلت فترة كبيرة تتعدى الـ100 يوم، تقوم النيابة بإصدار قرار بالتصريح بدفنها في مقابر الصدقة”.
طارق زغلول أثناء حديثه مع النجعاوية - تصوير: إسلام نبيل
طارق زغلول أثناء حديثه مع النجعاوية – تصوير: إسلام نبيل
شعور بالخوف
في بداية عمله بالمشرحة، كان زغلول يشعر بالخوف والرهبة، فلم يستطع في أول أيام عمله تناول المأكولات والمشروبات داخل منزله، فكلما كان يجلس كان يتذكر كل ما يحدث معه في المشرحة طيلة اليوم، “مكنتش طايق نفسي وكنت قرفان من حياتي، لدرجة إني كنت عاوز أبطل من الشغل ومروحش تاني، بسبب اللي كان بيحصل معايا واللي كنت بشوفه في أحلامي، حتى تجمد قلبي وأصبحت أتحمل وتعودت على طبيعة العمل”.
ومع مرور السنوات، وبعد أن راودت زغلول فكرة زيارة طبيب نفسي بسبب مهنته، اعتاد عامل المشرحة على عمله، وأصبح يعيش حياته مع أبنائه وأسرته بشكل عادي.
مكان مخصص لمتعلقات الموتى - تصوير: إسلام نبيل
مكان مخصص لمتعلقات الموتى – تصوير: إسلام نبيل
توريث المهنة
لا يتمنى طارق زغلول الذي يتقاضى 1400 جنيه شهريا نظير عمله، أن يعمل أبنائه في مهنته، “بروح بيتي وبحكي لعيالي عن اللي بشوفه كل يوم في المشرحة عشان يتعلموا، وبتمنى من ربنا إني أعلم عيالي أحسن تعليم عشان ميغلطوش زيي، أنا نفسي يطلعوا أحسن مني ويكونوا أي حاجة تانية غير موظفين أو عمال في المشرحة، بسبب اللي أنا بشوفه كل يوم”.
ثلاجة حفظ الموتي بمشرحة نجع حمادي، تصوير: إسلام نبيل
ثلاجة حفظ الموتي بمشرحة نجع حمادي – تصوير: إسلام نبيل
بعد 15 عاما 
بعد مرور 15 عاما على عمل طارق زغلول نبيل بمشرحة مستشفى نجع حمادي، لم يعد يشعر بالخوف والرهبة كالسابق، حيث اعتاد أن يدخل إلى المشرحة ويجلس بداخلها، ويتناول كوبًا من الشاي أيضًا، “أنا مرات بدخل المشرحة اغسل وشي، وأنام شوية، لأنه طالما لم تشعر بالخوف تستطيع عمل أي شيئ داخل المشرحة”.
مشرحة مستشفي نجع حمادي، تصوير: إسلام نبيل
مشرحة مستشفى نجع حمادي – تصوير: إسلام نبيل
أصوات الجثث

ولعامل المشرحة زملاء يعملون بالمستشفى، يرفضون دخول المشرحة خوفا منها، يقول عنهم زغلول: “عندي زملاء بيخافوا يدخلوا المشرحة، بيهابوا مشاهدة جثة ملامحها، لو حد منهم دخل هنا وشاف جثة ممكن يغمى عليه، أو يحسوا إنهم بيسمعوا كلام أو أصوات الجثث، لكن أنا تعودت على كده”.

الوسوم