فيديو| فارس الحرب والسلام.. تربية 4 مكفوفين ليست التضحية الوحيدة للأب المثالي

فيديو| فارس الحرب والسلام.. تربية 4 مكفوفين ليست التضحية الوحيدة للأب المثالي أثناء تقبيلهم والدهم

كتب- أبو المعارف الحفناوي، بسام عبدالحميد، أيمن الوكيل

بابتسامة خجولة ووجه بشوش تقدم رجل بسيط مصافحًا محافظ قنا الذي أصر على تكريمه شخصيًا بعدما اختاره المجلس القومي لشؤون الإعاقة أبًا مثاليًا على مستوى الجمهورية.

خلف الابتسامة البسيطة لـ”فتحي سليم” سنوات من المعاناة والألم، ووراء التواضع والخجل يقف الرجل كالهرم الشامخ ضاربًا مثالًا يحتذى في الأبوة المضحية قلما تكرر.

الأب المثالي أثناء تكريمه من محافظ قنا.. مصدر الصورة: المحافظة
تكريمه من محافظ قنا.. مصدر الصورة: المكتب الإعلامي بالمحافظة

على باب منزله البسيط بأطراف قرية الرحمانية قبلي بنجع حمادي، شمالي محافظة قنا، استقبلنا الأب بابتسامة واسعة، مناديًا على كريمته الصغرى “سحر” المصابة مثل شقيقتيها وشقيقهم بفقدان البصر، اصطحبتنا برفقة والدها إلى الحجرة المتواضعة التي يقمن بها.

ثلاث حجرات مبنية بالطوب والأسمنت دون محارة أو دهان، وأسرة خشبية بسيطة، وكادرات من الصور مختلفة الأحجام زينت جدران حوائط المنزل البسيط، وآرائك خشبية متواضعة، ومرآة متوسطة، وتلفاز مغلق، وراديو، ودولاب صغير، ومطبخ يتوسطه بوتاجاز من الطراز العتيق، هو كل ما يحتويه مقر إقامة الأسرة التي تحدى أبناءها الإعاقة والفقر في آن واحد وحققوا درجات علمية متقدمة.

العم فتحي مع فتياته في غرفتهن
فتحي سليم مع بناته في غرفتهن

توسط الأب المثالي بناته الثلاث، يسرى وأسماء وسحر، راويًا لنا فصول كفاحة الطويل منذ زواجه في عام 1969 من ابنة خالته وحتى لحظة التكريم: كنت شابًا يافعًا حين تزوجت ابنة خالتي قبل تجنيدي بالقوات المسلحة بعام واحد، وخضت حرب أكتوبر المجيدة عام 1973 مقاتلًا في الخطوط الأمامية، وكنت ضمن الوحدة المقاتلة التي حاصرت اللواء عساف ياجوري وتمكنت من أسره في معركة الدبابات الشهيرة، وحصلت على شهادة العبور العظيم بعد النصر وعودة الأرض وتحقيق السلام.

ابنتا فتحي سليم الأب المثالي
ابنتا فتحي سليم الأب المثالي

حرب أخرى خاضها المقاتل البطل في الحياة حينما رزقه الله بـ6 أبناء، 4 منهم ولدوا مكفوفين،  يصف الأب شعوره وزوجته وهم يرون أبناءهم يكبرون دون أن يتمكنوا من رؤية العالم حولهم بالموجع، لكنهم لم يستسلموا للوجع وأصروا على تنشئة أبناءهم معتمدين على أنفسهم وتعليمهم، يقول: أكثر ما كان يشغلنا أن يحصلون على حقوقهم في التعليم والحصول على مؤهل مناسب دون النظر الى إعاقتهم.

التحق الأبناء ذوي الإعاقة البصرية بمدرسة “النور والمحافظة للبصر” بمدينة قنا، التي تبعد عن مقر عيش الأسرة بأكثر من 50 كيلو مترًا.

يحكي سليم عن أحد أيام الدراسة: كنت أخذهم بعد صلاة الفجر يوميًا من الرحمانية إلى مدارسهم وجامعاتهم بمحافظة قنا، مرة بصحبتي وأخرى بصحبة والدتهم التي علمتهم الاعتماد على أنفسهم، وقسمت قبل وفاتها أدوارهم في شؤون المنزل.

بينما هي تقوم بعمل الشاي لوالدها
الابنة الكبرى تعد الشاي لوالدها

وخلال تلك السنوات الصعبة والمجهدة، دفع ضيق ذات اليد الأب المكافح للبحث عن عمل آخر بعد انتهاء ساعات عمله الرسمية بمصنع الألومنيوم، حتى يتمكن من تدبير نفقات تعليم أبنائه وبناته، بجانب الفحوصات الطبية التي جال بسبها محافظات الجمهورية بحثًا عن أمل في الشفاء، وعودة البصر لمن حرموا منه.

عندما رحلت الزوجة في 2016، اعتصر الحزن قلب سليم، كأن يرى البيت خاو، كأن الحياة توقفت هاهنا، كانت النصائح تنهال عليه من المقربين أن يتزوج مرة أخرى لتساعده في “تربية العيال”، خاصة ذوي الاحتياجات الخاصة، لكن فكرة زوجة أخرى على الراحلة لم تكن يسيرة، إن قبلها هو، هل يقبلها الأبناء؟ هل تقبلها زوايا البيت التي منحت كل ركن فيه قدرًا من عمرها وأملها وحبها لأبنائها.

لم يستغرق الأمر وقتًا حتى حسمه، بأن يستمر يناكف أهوال الحياة وحيدًا، سعيًا خلف حلم شاركته زوجته الراحلة، أن يريا الأبناء حصلوا جميعا على تعليم عالٍ، فيما مضى كان يرى هذا الحلم تتويجًا لكفاح سنوات، لكنه أصبح يراه تكليلًا لروح زوجته.

فتحي سليم الأب المثالي ونجلته
فتحي سليم الأب المثالي ونجلته

خاض الأب مشوارًا طويلًا جنى ثماره بنجاح أبناءه، حصل الأكبر “منتصر” على ليسانس الدراسات الإسلامية والعربية جامعة الأزهر، وعمل إمامًا وخطيبًا بوزارة الأوقاف، وأنهت يسرى الثانوية العامة، وتخرجتا أسماء وسحر من كلية الآداب قسم الدراسات الإسلامية جامعة جنوب الوادي.

أما نجلاء وأسامة، المبصرين من بين إخوتهما، فحصلت الأولى على الثانوية الأزهرية وتزوجت، وحصل الابن على ليسانس الدراسات الإسلامية والعربية.

الابنة الكبرى تعتني بنجلة شقيقها الكفيف
الابنة الكبرى تعتني بنجلة شقيقها

تقول يسرى إن أكثر ما كان يحزن والدها أنه لا يستطيع القراءة ولا الكتابة، وهو الذي كان يرجو أن يشاركنا التعليم والدراسة، مشيرة إلى أنه كان لاينام إلا بعد أن يجلس إلينا ويطمئن علينا، حتى بعد رحيل والدتنا رفض أن يتزوج من أخرى خوفًا من أن تلحق بنا الأذى.

وتصف أسماء أبيها بالرجل العظيم لما تحمله من مشقة اصطحابهم إلى المدارس والجامعات ونفقات التعليم والمعيشة دون أن يشعرهم بما يعانيه حتى بعد رحيل والدتهم.

وتتذكر الصغرى سحر والدتها بالخير لأنها علمتهن الاعتماد على أنفسهن، لافتة أنها وشقيقاتها يمارسن حياتهن داخل منزل الأسرة بشكل طبيعي، حيث يقمن بإعداد الطعام والشراب وتجهيز المنزل، وغسل وكي الملابس الخاصة بهن وبوالدهن.

تكريمه من محافظ قنا.. مصدر الصورة: المكتب الإعلامي بالمحافظة
تكريمه من محافظ قنا.. مصدر الصورة: المكتب الإعلامي بالمحافظة

“ربنا يتم علينا فضله، مش باقي غير ألاقي عقود عمل لبناتي الثلاثة، وهن كفيفات، أما أنا فلا حاجة لي من الدنيا إلا زيارة البيت الحرام” هكذا يقول سليم، وهو ما استجاب له محافظ قنا  بإصدار تعليماته لمسؤولي الشؤون الاجتماعية لرعاية الأب المثالي وأسرته وتلبية احتياجاتهم، مع منحه مكافأة مالية.

طيلة تلك السنوات، لم يكن التكريم ما يطمح إليه سليم، كان العمر الذي يمنح لأبنائه بمثابة تكريم “فوجئت باتصال على غير ترتيب، وأبلغت بالأمر، وبضرورة حضور تكريمي في القاهرة، ثم تكريمي من محافظ قنا”.

الوسوم