فيديو وصور| الجلباب البلدي.. هكذا يُحاك زي الفخر بالصعيد

فيديو وصور| الجلباب البلدي.. هكذا يُحاك زي الفخر بالصعيد الجلباب البلدي.. تصوير: بسام عبدالحميد

كتب – أبو المعارف الحفناوي، بسام عبدالحميد، صابر سعيد

صعيدنا ليس الخشونة والثأر، فذلك محض هامش، يندثر على صفاء الشموخ الذي يظهر على زي الرجل الصعيدي ليروي حكايات السابقين وتاريخ العائلات، فيفصح عن مكنون الجلباب الصعيدي ليثبت موقعه من الجنوب.

تظهر تجليات مشهد تمسك العائلات بمحافظة قنا بموروثاتها في الاحتفاظ بالزي الصعيدي الذي يرتديه فئة كبيرة، خاصة كبار السن في شتى المناسبات، ولم تؤثر فيه الحداثة إلا من خلال تراجع بسيط في مرتديه من الشباب.

قيمة الجلباب

يقول علي رشوان، عمدة الكعيمات بأبوتشت، إن الجلباب رمز العزة والشرف في الصعيد، ذاكرًا موقفًا حدث معه منذ 5 سنوات، عندما كان برفقة أحد المستشارين من قبيلة الهمامية وكانا ذاهبان إلى أحد الأندية بمصر الجديدة، كُتب على مدخله “ممنوع اصطحاب الأطفال والكلاب والجلباب”، مما أثار غضبهما ودخلا في نقاش مع المسؤولين هناك.

ويتابع: انتهى النقاش بأحقيتي في الدخول، بعد إظهار قيمة الجلابية كرمز لأزياء الصعايدة، الذين منهم مستشارين وضباط وأطباء وسياسيين ومهندسين وغيرهم، ودخلنا بعد الاعتذار لنا.

رمزًا للفخر

ويلمح علي قاعود، عمدة الحاج سلام بفرشوط، أن الجلباب البلدي رمزًا للفخر والعزة، وأن من يثير السخرية من شباب الوجه البحري والقاهرة على الجلباب لا يعلمون قيمته سواء بما يمثله للصعايدة، أو حتى قيمته المادية، فمن الممكن أن يصل ثمن الجلباب لقرابة 3 آلاف جنيه، شاملة القماش والمصنعية.

ويُشير إلى أن بعض الصعايدة عندما يذهب إلى القاهرة يرتدي البنطلون والقميص لتجنب السخرية منهم، ولكن بعد أن انخفضت حدة السخرية بعدما أعطى الإعلام القيمة الحقيقية للصعيد، خاصة في مسلسل شيخ العرب همام وغيره، وما مثله الجلباب البلدي في المسلسل لمرتديه من قيمة، جعلت الكثيرون يتراجعون عن سخريتهم، كما جعلت “الصعايدة” يتباهون بالجلباب في كافة المناطق والمحافل.

الجلباب البلدي تصوير : بسام عبدالحميد
الجلباب البلدي- تصوير: بسام عبدالحميد

وجاهة اجتماعية

ويُشير عمرو خلف الله، عمدة قرية “هو” بنجع حمادي، إلى أن الجلباب من العادات والتقاليد والوجاهة الاجتماعية، التي لا بد وأن يُحافظ عليها، لافتًا أن الجلباب البلدي من أهم المظاهر التي تُميز الصعيدي عن غيره في الأزياء.

ويضيف عبدالعزيز محمد، عمدة الجمالية بقوص، أن الجلباب البلدي منتشر في أماكن كثيرة بدءً من الجيزة إلى أسوان، ويتمسك أبناء الصعيد بارتدائه وخاصة قبائل قنا، ذلك كونه يظهر مدى الاحتشام والشهامة التي يتمتع بها أبنائنا.

الزي وجغرافيا المكان

يوضح محمد مهدي، حفيد عمدة دنفيق بنقادة، أن أنواع الجلباب تختلف من منطقة لأخرى بنقادة، ففي بعض المناطق لا يرتدون الجلباب البلدي بشكل كبير ويعتمدون على الجلباب السعودي أو الكويتي أو أنواع أخرى، وذلك يبين هوية الشخص المرتدي للزي ومكانه في كثير من الأحيان، ولا تسجل مناطق صعيدنا تراجعًا في إقبال الشباب علي ارتداء الزي الصعيدي والنسبة في زيادة وليس العكس.

فيما يقول إبراهيم كمال، صاحب محلات عطور، إن علاقة الزي بالجغرافيا المكانية والتجمع السكاني أو القبلي ما زالت موجودة في مدينة نقادة وقراها، فالمركز يتميز بتواجد الجلباب البلدي السوداني، وذلك نتيجة للارتباط الوثيق من القدم بالسودان والتجارة المتبادلة، نتيجة تصديرنا للفركة الفرعونية وتعاملاتنا معهم، فكثير من رجال الأعمال والتجار الكبار في نقادة يلبسون الزي السوداني إلى اليوم على الرغم من انتشار أنواع متعددة من التفصيلات للجلباب البلدي.

الجلباب البلدي والسوداني

ويوضح كمال أن الفرق بين الجلباب البلدي الصعيدي والجلباب السوداني يكون في الأكمام، فالنوع الأول ذو أكمام طويلة والثاني أقصر، كذلك النوع الثاني لا توجد به رسومات أو شغل مطرز في منطقة الصدر بعكس الأول، ويوجد بالجلابية السوادني مكانًا لجيب الساعة القديمة لتعلق من الخارج، ويلاحظ المترددين على التجار القدامى أنهم يضعون الساعات في جيب الجلباب من الخارج، وذلك لمعرفة الوقت في زمانهم، ويتوافق الاثنان بأن لهم ملحقات مثل الصديري والقميص والعراقة ولكن يطلق على العراقة السوداني “العراقي”.

أسعار الأقمشة وأنواعها .. تصميم بسام عبدالحميد
أسعار الأقمشة وأنواعها.. تصميم بسام عبدالحميد

هيبة ومنظر

وفي قوص يرى عبدالفتاح علي، مؤهل متوسط، أن نسبة الإقبال على تفصيل الجباب البلدي في مدينة قوص وقراها تزيد ولا تتراجع في تلك الأوقات بحسب وجهة نظره، لما يحمله من هيبه ومنظر يتناسب مع المكان الذي نعيش فيه والأعراف والتقاليد السائدة، ويتمسك عمد ومشايخ العائلات بالحفاظ على الزي وشكله المعروف منذ القدم.

أما كريم أحمد، مؤهل عالٍ من بندر قنا، يتمنى أن يظل الزي الصعيدي المعبر عن ثقافة البيئة، خاصة مع تخلي البعض عن القيم والعادات في أشياء أخرى، متوقعًا أن يدخل في تصميمه بعض التغييرات مع مرور الزمن مثل التفصيلات المتنوعة أو الأشكال والألوان.

جلباب لكل منطقة

وفي مدينة فرشوط، تبرز لافتة دون عليها “ممنوع الصبر منعًا باتًا ولا داعي للإحراج.. والوحش مخلّاش للزين طريق والأيام تعبانة محدش صابر على حد .. محلوف يمين طلاق”، بمدخل محل محمد عبيد، الترزي، والذي يُعتبر من أشهر الترزية في شمال قنا، رافضًا التعامل بـ”الشكك” أو التقسيط من قبل زبائنه.

اللافتة تصوير : بسام عبد الحميد
اللافتة تصوير : بسام عبد الحميد

يروي أبوعبيد أن لكل منطقة جلباب خاص بها يميزها عن الأخرى، كما أن القبائل والعائلات في هذه المناطق ارتبط زيهم بزي المنطقة التي يقطنون بها، ففي فرشوط على سبيل المثال، لا يهوون ارتداء الجلباب ذو “الكلفة العالية”، فيقتصر الزي على “جوز قطان في القب وجوز في الكم”، وهو زي يُعتبر راقي نسبيًا.

الجلباب والقبائل

ويُضيف أن أهالي دشنا وأبوتشت بقبائلهما العرب والهوارة يتميز زيهم بـ”الكلفة العالية”، وتسمى بـ”سكة حديد” بوضع أكثر من “قطان في القب”، وأكثر من يستخدم هذا الزي قبائل هوارة هناك، أما قبائل العرب فيستخدمون “الكلفة الخفيفة”.

أما في نجع حمادي، فقبيلة “النجمية” يرتدون “السلق العباسي” وهو “قطان من بره وفي النص وقماش وسطاني”، أما في بهجورة فيهوى مسلميه ومسيحييه الجلباب “خفيف الكلفة”، أما قبيلة الهمامية فيرتدون الجلباب ذو “الكلفة العالية”، والعرب يرتدون ذو “الكلفة الخفيفة”.

مراحل التفصيل

ويشرح أبوعبيد أن مراحل حياكة الجلباب تتمثل في رفع مقاسات “الزبون”، ثم غسيل القماش، خاصة إذا احتوى على قطن “عشان متكشش”، ثم “المكنجي” ثم “التسريج” ثم “الكفافة”، ثم ” القطان”، وهذا يؤخر تسليم الجلباب للزبون لمدة من الممكن أن تصل قرابة 3 أشهر.

أسعار تفصيل الجلباب البلدي .. تصميم بسام عبدالحميد
أسعار تفصيل الجلباب البلدي.. تصميم بسام عبدالحميد

انخفاض ارتداء الجلباب

ويلمح الترزي إلى أن ارتداء الجلباب انخفض مقارنة بما كان عليه من قبل، لأن الشباب لا يهوون ارتدائه بشكل كبير ويفضلون الأزياء الحديثة من بنطلون وقميص، كما أن الجلباب أصبح للمواسم فقط كالأعياد، وهناك أماكن يفضل أهلها شرائه لارتدائه في الموالد والمناسبات العامة، كما أن الشباب ابتعد نسبيًا عن “تفصيلة الجلابية القديمة”، فلا يهوون “الكُم والقب الواسع”، ولكنهم يهوون الجلباب الضيق، لمواكبة الموضة.

سلاح اجتماعي

ويقول عبده الدربي، الأستاذ بكلية الآثار بقنا، إن الجلباب البلدي يميز أهل الصعيد عن غيرهم، فالجلباب من الأزياء المعبرة بالرغم مما حدث له من تغيرات مثلما حدث أيضًا لزي المرأة المصرية التي بدأت تستخدم الخامات الصيني و”الاستايل” الخليجي بعد السبعينيات، مقارنة بما قبل ذلك حيث كانت تستخدم القماش والطراز المصري.

ويُضيف أنه مع التطور ابتعد البعض خاصة الشباب في الصعيد عن ارتداء الجلباب البلدي، ولا بد من العودة للجلباب كجزء من الهوية بالرغم من غلاء تكلفة الجلباب الناتج من غلاء الخامات والمصنعية.

ويُشير الدربي إلى أن الجلباب يُعد نوع من الوجاهة فهناك المستشارين والضباط والأطباء وأساتذة الجامعات يرتدونه، وهناك قيادات وأشخاص يرتدون الجلباب قصدًا بإظهار صورة معينة لهم أمام المسؤولين أو المواطنين عامة كنوع من المظلة والسلاح الاجتماعي.

الوسوم