قصة فتاة من قنا رفضت الزواج من إمبراطور إثيوبيا.. اسمها جميلة توفيق

قصة فتاة من قنا رفضت الزواج من إمبراطور إثيوبيا.. اسمها جميلة توفيق جميلة توفيق أندراوس

يكتبها: أمير الصرّاف 

لم تكن العلاقات المصرية ـ الأثيوبية في عهد الملك فؤاد ومن بعده الملك فاروق الأول، مستقرة كانت تتخللها فترات من التوتر بين الكنيسة المصرية والحبشية، ففي مطلع الأربعينيات طالب الأثيوبيين رسامة مطران حبشي وليس مصري على بلادهم، ومنح الكنيسة الحبشية حق سيامة خمسة أساقفة من الأحباش دون الرجوع إلى البطريركية المرقصية الأرثوذكسية في القاهرة، وتُدخل محمود باشا فهمي النقراشي، رئيس الوزراء، ليقنع البابا يوساب بطريرك الكرازة المرقصية بتحقيق مطلب الكنيسة الحبشية، وعاد التوتر مرة أخرى في سنة 1956، ورفضت الكنيسة الحبشية المشاركة في حفل تنصيب البابا كيرلس السادس بطريركًا للكرازة المرقصية، رغم دعوة البابا الرسمية للإمبراطور هيلاسلاسي الأول لحضور الحفل.

في نهاية ثلاثينات القرن الماضي، اجتمع الدبلوماسي يسى باشا أندراوس، قنصل عدد من الدول الأوربية في الأقصر، بشقيقه «بشارة باشا»، في قصر الأول المتاخم لمعبد الأقصر، للترتيب والتدبير لاستقبال ضيف مهم قادم من إفريقيا، انتهى الشقيقان إلى إعداد حفل استقبال ضخم للضيف المهم يحضره الأعيان والوجهاء ورجال الدين، وتعقبه إقامة وليمة ترحيبًا بالضيف ومرافقيه، وكان هذا الضيف هو الإمبراطور هيلاسلاسي الأول أمبرطوار الحبشة الأخير.

المنصب الدبلوماسي الذي كان يشغله يسى باشا أندراوس كان ينأي به عن حالة التوتر الدائرة بين الكنيستين المصرية والحبشية، ويخول له ـمن جانب أخر، صلاحيات ونفوذ واسع لم يكن ممنوحًا حتى لطبقة الأعيان والأرستقراط في مصر، فقد كان قصره في الأقصر غير خاضع للسيادة المصرية، وهو ما استغله شقيقه «توفيق باشا» أحد عناصر الحركة الوطنية سنة 1919، عندما حاولت الحكومة المصرية إلغاء زيارة الزعيم سعد زغلول النيلية إلى الأقصر في سنة 1921 من القرن الماضي، وقام «توفيق باشا» باستقبال سعد زغلول في قصر شقيقه الملاصق لقصره بمدينة الأقصر، باعتبار أن قصر «يسى» غير خاضع للحكومة المصرية، من هنا كانت العلاقة القوية التي ربطت يسى باشا أندراوس بالإمبراطور هيلاسلاسي الأول، تلك العلاقة التي ازدهرت في النصف الثاني في فترة الثلاثينيات من القرن الماضي، وتوجت بزيارة الإمبراطور إلى قصر العائلة، ثم طلب الإمبراطور مصاهرة العائلة فيما بعد.

ونُصب هيلاسيلاسي ملكًا على إثيوبيا سنة 1928 ثم إمبرطورًا سنة 1930، وكان يُعرف عنه أنه من سلالة سيدنا سيلمان وبلقيس، وكذلك انتمائه إلى الكنسية الأرثوذكسية الأثيوبية المحافظة التي يعتقد أتباعها أنها حافظت علي نقاء المسيحية، وبعد ثورة 1952 نجح الرئيس الراحل جمال عبدالناصر في إنهاء حالة التوتر بين الكنيستين المصرية والأثيوبية، حيث حضر الإمبراطور حفل افتتاح الكاتدرائية المرقصية في العباسية، في عهد البابا كيرلس السادس، الذي زار إثيوبيا أكثر من مرة لتوثيق العلاقات بين البلدين، وربما كان ذلك التقارب سببًا في أن يطلب الإمبرطوار مصاهرة واحدة من أكبر العائلات القبطية في مصر ثراءًا ونفوذًا.

 تولي يسى أندراوس عمادة العائلة التي تعود جذورها إلى مدينة قوص في محافظة قنا، بعد وفاة شقيقه السياسي الوفدي توفيق باشا أندراوس سنة 1935، وأصبح مسؤولا مسؤولية كاملة عن رعاية أولاد شقيقه الراحل وهم جميلة، وجميل، ولودي، وصوفي، كانت «جميلة» هي أكبر أبناء نائب الأقصر، وألحقها عمها بمدرسة القلب المقدس الفرنسية «السكركير» في القاهرة، ثم التحقت بالجامعة الأمريكية في القاهرة أيضًا، وكانت معروفة بجمالها ولباقتها وأنها أكثر أولاد «توفيق» الذين يشبهونه في شخصيته، ويبدو أن تلك الأسباب كانت كافية لأن يطلب الإمبراطور هيلاسلاسي يدها لتكون زوجة له.

تقول مصادر داخل عائلة «أندراوس» إن جميلة توفيق رفضت عرض الزواج من الإمبراطور هيلاسلاسي لعدة أسباب، منها رغبتها في البقاء مع أشقائها وأسرتها في الأقصر، وخوفها من الإقامة في إثيوبيا التي كانت موحشة في ذلك الوقت، ويذهب باحثون أن فكرة العزوف عن الزواج كانت ملازمة لعدد كبير من فتيات العائلة الشهيرة، لأسباب غير معروفة، وأنها على الأرجح كانت بسبب الثراء الكبير الذي ورثته العائلة، ويشير الباحثون إلى أن شقيقتيها «لودي»، و«صوفي» ظلتا دون زواج أيضا، كما لم يتزوج شقيقهن «جميل» الذي كان أول الراحلين في أولاد توفيق، ومات حدثًا.

عاشت «جميلة» مع شقيقتيها في قصرهما في الأقصر، في الظل بعيدًا عن الأضواء، أو المشاركة في الأنشطة الاجتماعية أو الخيرية، طبقًا لتقاليد العائلة التي لا تفضل الظهور في الحياة العامة، وهو ما يفسر رفضها المتكرر الظهور في مقابلات لوسائل الإعلام المختلفة في مصر، وكذلك ندرة الصور الشخصية لها، واكتفت بإدارة أملاكها الواسعة التي ورثتها مع شقيقتيها عن والدهما القطب الوفدي توفيق أندراوس في ضواحي الأقصر، وتذكر دوائر قريبة من العائلة أنها كانت الأكثر تواصلا بين شقيقتيها مع فروع العائلة في القاهرة.

جميلة توفيق في طفولتها ويظهر في الصورة أبيها وعمها يسي أندراوس

وتوفيت «جميلة» في سنة 2011 بعد أن أصابتها حمي توفيت أثرها بمستشفى الأقصر الدولي، وأقيمت لها مراسم جنازة بسيطة، ودفُنت في مقابر العائلة القريبة من معبد الكرنك شرق مدينة الأقصر، لتسدل الستار على حياة تلك الآنسة التي رفضت الزواج من الإمبراطور هيلاسلاسي الأول، وفي مطلع يناير 2013 لحقت بها شقيقتيها «لودي»، و«صوفي»، في جريمة قتل بشعة هزت الأقصر، واستعصى على الأجهزة الأمنية الوصول إلى مرتكبي الحادث حتى الآن، وقيُدت الجريمة ضد مجهول، وآلت ملكية القصر والأطيان الزراعية والعقارات إلى أبناء عمومتهم.

 اقرأ 

هتف باسمه سعد زغلول.. 10 معلومات عن الصعيدي الأصيل الذي أنقذ “الوفد” من الإفلاس

الوسوم