قصة 3 أجيال لعائلة مسلمة محل ميلادهم كان فى كنيسة

قصة 3 أجيال لعائلة مسلمة محل ميلادهم كان فى كنيسة شعبان عبد الراضي

اسمه شعبان عبد الراضي، 52 عامًا، تجنس بالمصرية منذ أن وفد أجداده من السودان إلى الصعيد واستقروا به منذ أوائل القرن العشرين، ورغم كونه مواطنًا يشبه الملايين من المصريين الكادحين في الحياة والعمل، يعمل بنقل مواد البناء ويعول أسرة مكونة من 6 أفراد ـ زوجته وولدين و3 بنات، إلا أنه حالة نادرة وفريدة من نوعها كون أن والدته وضعته هو وأشقائه  في كنسية وهم مسلمو الديانة ليكونوا ربما هم الوحيدون في الصعيد ـ على الأقل، الذين كان محل ميلادهم في كنيسة!

كان زوار كنيسة «أنبا شنودة» بقرية بهجورة ـ  64 كيلو متر شمال قنا، الوافدين من خارج المنطقة، تأخذهم الدهشة بعد دخلوهم من بوابة الكنيسة الرئيسية .. منزلًا من الطوب اللبن ذو طابق واحد وإلى جواره فرن بلدي وبعض الملحقات، يقف أو يجلس على أعتابه رجلًا أسمر فارع الطويل ويمسك ببندقية خرطوش، كان المشهد يستدعي كل الزوار الأغراب  لالتقاط المزيد من التفاصيل .. كان تظهر على استحياء خلف الرجل زوجته ذات الملامح السمراء أيضا لتنادي على أطفالها الذين يأخذهم اللهو في صحن الكنيسة بعيدًا عن المنزل.

تنتهي صلاة القداس وتحين صلاة الظهر فيفرش الرجل الأسمر سجادة الصلاة في فناء الكنيسة ليؤدي الفرض،ويزيد ذلك  تساؤلات ودهشة الزوار عن الأسرة السمراء التي تعيش في  الكنيسة، وكان قساوسة «أنبا شنودة» مكلفون بإيضاح الأمر الملفت للنظر للمصلين الأغراب من المحافظات المجاورة وهو أمر اعتادوا عليه منذ أن عينوا للصلاة كقساوسة هناك، أما الزائرون المحليون فقد اعتادوا الأمر وأصبح أمر لا يثير الفضول.

ذهبت إلى شعبان عبد الراضي في مقر عمله المسائي وأنا أحمل تندرًا ودهشة من حياة تلك الأسرة المسلمة التي ولدت وعاشت في كنيسة في الصعيد ذلك الوادي الذي يذخر بالظواهر، وقف الرجل من فوق كرسيه أمام باب المستشفي ليرد السلام، رحب عبد الراضي بالمقابلة واتفقنا على جلسة بمقهى مجاور لمقر عمله في وقت يناسبه ولا يعطله عن مهام عمله على أن نذهب لزيارة المكان الذي وتربي وعاش فيه  كنيسة «أنبا شنودة»  في أقرب وقت.

يروي الرجل الخمسيني القصة .. يقول إن جده لأبيه سعيد مرزوق السوداني كان يعمل مع أحد أثرياء قرية بهجورة بعد مجيئه من السودان واستقراره بالقرية، وأن ذلك الثري عينه حارسًا على مقبرة عائلته بجوار الكنيسة حاليًا، موضحًا أن جده بدأ عمله قبل بناء الكنيسة التي بنيت فيما بعد.

واستقر الجد بالمكان حارسًا لمقبرة الثري وبني له منزلًا جوارها حتي لا يضطر للمغادرة وتزوج من «أمينة» وهي من أصول سودانية أيضا وأنجب أبنائه عبد الراضي وآخرين، وبنيت الكنيسة الحالية جوار مقبرة الثري القبطي وصار الجد حارسًا على الاثنين إلى أن توفي وخلفه في عمله نجله «عبد الراضي» الذي عاش بالمنزل وتزوج من مصرية وأنجب 4 أبناء  شعبان ويوسف وسعيدة ـ متزوجة خارج القرية وعبد المعز وتوفي في مطلع شبابه.

عاش الأبناء بمنزلهم في فناء الكنيسة وهم مسلمو الديانة ولم يشعروا كونهم حالة غريبة في المنطقة رغم إقامة أقاربهم بمنطقة متاخمة للكنيسة، يقول شعبان عبد الراضي كان والدي يتقاضي 40 جنيهًا شهريًا نظير عمله وكانت شقيقتي تعمل بالحياكة وكانت حياتنا جيدة مثل كل الناس العاديين في القرية، وغرس والدي فينا كأبنائه أن إقامتنا في الكنيسة أمر عادي وكنا نعامل معاملة الأهل من القائمين على الكنيسة يشاركونا في أحزاننا وأفراحنا ونحن بالمثل.

يتذكر الرجل الخمسيني وفاة والده يقول توفي والدي في سنة 1984 وصلينا عليه في المسجد المجاور للكنيسة بمشاركة الأقباط وكانت جنازته غفيرة الأعداد، وتلقينا العزاء فيه داخل الكنيسة، ويضيف في الذكري السنوية أصر ناظر الكنيسة الراحل عازر خليل على إحيائها وأحضر مقرئًا ليتلو القران في الكنيسة ودعا كل الأعيان الأقباط لحضور الذكري السنوية، وعندما تزوجت في نفس المنزل أقمنا الفرح في فناء الكنيسة ومنحني ناظر الكنيسة 300 جنيه «نقوط» وكانت مبلغًا كبيرًا وقتها.

مهام حراسة الكنيسة لم تكن قاصرة على أبناء عبد الراضي الذكور بعد وفاته حيث كانت أمهم تقوم بذلك الدور عند ذهاب أبنائها لمدارسهم أو للعمل، يقول «شعبان»  كانت أمي تعتبر الكنيسة كبيتها ولم تتوان عن مهام الحراسة في أي وقت، وكانت تصوم صيام العذراء كاملًا ككثير من المسلمات لمدة 15 يومًا وكنا نصوم معها، كما أننا كنا نشارك في الاحتفالات الكبيرة ونستدعي أقاربنا للتنظيم وتكثيف الحراسة حول الكنيسة في الأعياد والمواسم.

ومرت الأيام إلى أن قرر شعبان عبد الراضي الرحيل من الكنيسة.. يوضح الرجل أسبابه وكله حنين إلى مكان مولده، يقول تزوجت في منزل أبي داخل أسوار الكنيسة وأنجبت 5 أولاد وكان المنزل قديمًا من طابق واحد وليست به سبل إعاشة للأسرة والأطفال فقررت الرحيل لأني لم يكن متاحًا لي بناء منزل جديد داخل الكنيسة في تلك الفترة ــ منذ 12 عامًا، بسبب القيود على البناء بأنواعه داخل الكنائس، واشتريت منزلًا بمساعدة الكنيسة بمبلغ 35 ألف جنيه، وكانت أمي ترفض الرحيل بشدة من منزلها الذي عاشت فيه.

لا تنقطع صلة شعبان عبد الراضي بمحل ميلاده هو وشقيقه الخفير المتخصص في حراسة الكنائس، يقول أحب المكان الذي ولدت وتربيت فيه وأذهب لزيارته أسبوعيًا ويتواصل معي كل القائمين على الكنيسة بشكل دائم  وبيننا علاقات أخوة وعمل وبيننا جسورًا من الثقة الممتدة منذ سنوات طويلة، ويبتسم الرجل الأسمر قائلا  أعرف عن «أبو شنودة» ويقصد أنبا شنودة المسماة الكنيسة باسمه، ما لا يعرفه الأقباط عنه وأدرك كراماته !
الوسوم