لا أعرف لماذا شعرت بالاستياء هذا العام من احتفالات عيد الأم، أقدر أمي وأحبها، وقبل عامين أصبحت أنا أيضًا أم، لابد إذًا أن أمنح عيد الأم تقديرًا أكبر وأسعد بوجوده، أقلها سيكون لي يوم في كل عام يهنئني فيه من حولي ويشعرونني بالتقدير.

فتشت كثيرًا عن منبع شعوري، هل يؤلمني قلبي لمن فقدوا أمهاتهم أو للأمهات اللاتي فقدن أبناءهن أو للنساء اللاتي لم يرزقهن الله بالأطفال أو لهؤلاء اللذين لا تربطهم بأمهاتهم علاقات طيبة ويحملون ذكريات سيئة توجعهم في عيد الأم؟.. قد تكون الأسباب كلها مجتمعة، فقد جعلتني الأمومة أكثر رفاهة وإحساسًا بالآخرين وجعلت الوجع أقرب لقلبي، لكنها في النهاية لم تكن السبب الحقيقي وراء استيائي من الاحتفاء بعيد الأم.

كان السبب الأول هو تحويل عيد الأم إلى «ماراثون للتضحيات».. ما أن يقترب عيد الأم إلا ويبدأ التقديم لمسابقات الأم المثالية، أول شروط المسابقة مهما كانت الجهة المنظمة هي أن تكون الأم «مضحية» تحملت وحدها عبء تربية أبناءها وتعليمهم وتنشئتهم، تتبارى المتقدمات في إظهار قدر التضحية، وتختار لجان التحكيم بينهن من قست على نفسها أكثر من الأخرى كي تستحق هذا اللقب من المجتمع والمحيطين وتستحق عنه التكريم.

لا أقلل من قدر المسابقات ولا أشكك في نوايا منظميها ولا انتقص بالطبع من تضحيات الأمهات، ما أتساءل عنه فقط لماذا نطالب الأم بالتضحية إلى هذا الحد ونعتبر عدم تضحيتها إقلالًا من أمومتها، أنظر إلى الصور والعبارات التي يتداولها مرتادو مواقع التواصل الاجتماعي في هذا اليوم أو عن الأمهات والأمومة طوال العام وستفهم قصدي.

تنشر إحدى صفحات “الفيسبوك” صورة لأم متقدمة في العمر تقف في المطبخ تطهو الطعام لأسرتها واضعه قدميها في وعاء به ماء دافئ للتغلب على ألم الوقوف، تمجد جميع التعليقات الأم التي تضحي وتطهو رغم مرضها حتى يأكل زوجها وأبناءها الأصحاء!

يتداول آخر عبارة يصف فيها الأم الحقيقية بأنها تلك التي إذا وُجد في البيت ثلاث تفاحات وعدد أفراد الأسرة أربعة تقول إنها لا تحب التفاح مضحية برغبتها لإسعاد أبناءها وزوجها.. وماذا إذا اقتسم الجميع التفاحات الثلاث، هل ستكون أمومتها ناقصة حينها؟ الحق أنها بتخليها عن نصيبها تُخرج أبناء أنانيين لا يعرفون المشاركة ولا يقدرون حق الآخرين وستمر الأيام ويرون أن واجب زوجاتهم هو ترك نصيبهم في كل شئ لهم ولأبناءهم.

ينشر الجميع قصص الأمهات اللاتي توفي أزواجهن أو انفصلن في السنوات الأولى من عمر أطفالهن ولم يتزوجن وكرسن حياتهن لتربية أبناءهن، هن عظيمات حقًا لكن ألم تتساءل يومًا لماذا لا يتداول أحد قصصًا مماثلة لأباء، لماذا يعتبر المجتمع أنه من الواجب على المرأة ألا تتزوج ومن الطبيعي للرجل أن يتزوج بعد رحيل زوجته لأنه غير قادر على تربية أطفاله، ألهذا الحد إطعام الصغار ونظافتهم وشؤون المنزل صعبة التعلم بالنسبة للرجال في مقابل رعاية أسرة كاملة في الداخل والخارج على المرأة؟!

تنتشر أيضًا المقارنات بين أمهات الجيل الحديث وأمهات زمان، ويعتبر رواد تلك المواقع والأشخاص العاديون في البيوت والشوارع أمهات هذا الجيل أقل أمومة لمجرد أنهن اخترن أن يكن لهن مساحة خاصة إلى جانب تربية أطفالهن بدءً من العمل أو الدراسة وصولًا إلى الوقت الخاص أو حتى نصيبهن في التفاح!

ليس العيب في التضحية، الأمومة تضحية بطبيعتها حتى لو توقفت عند مرحلة الحمل والولادة، العيب في وضع أعباء زائدة على المرأة ورسم نماذج بعينها تتبعها الأم وإلا كانت غير مُضحية وحُرمت من لقب «المثالية».