بخطى ثقيلة تفقدها توازنها، لتجد نفسها ملقاة على الأرض، يحيطها كثيرين لا ترى منهم سوى شفاههم المتحركة دون أن تستطيع تمييز ما يقولون، يقول الأطباء إن عطفة لا يشوبها أي مرض عضوي ولكنها أصيبت بعطب صفي أحد القنوات التي تعمل كجسر بين استقبال الكلمات وسماعها ومراكز الإدراك..

لم أعتد  الكتابة عن الأمراض النفسية أو العصابية “الذهانية” كمعلومات جوفاء لا أفهمها ولا يفهمها العامة لكني سأستعين بمواقف حياتية بعضها حقيقي لا يخلو من الخيال، تجاربنا الإنسانية المختلفة والمتطورة باستمرار، ولكن قبل أن أبدأ سأفرق بين الأمراض النفسية والعصبية “العقلية أو الذهانية” ، الأولى هي التي لا يكاد إنسان حتى الأسوياء منا لا يتعرض لها بشكل موسمي في الغالب، وهي لا ترقى لأن نطلق عليها لقب مرض، ولكنها مجموعة اضطرابات موسمية مثل الاكتئاب، الحزن، الفرح، الضحك، حتى الهلاوس يوجد منها ما هو بسيط ويدعى اضطراب و “الفوبيات” أيضًا، أما الأمراض الذهانية فهي ببساطة الأمراض العقلية أو ما نطلق عليه الجنون  في العامة “الهستريا الانشقاقية وغيرها بمختلف أنواع الانفصام، وقد تكون اضطرابًا يوما ما ولكنه تطور ليصبح مرض.

قبل 5 أيام من إصابتها، كان لونها قد شحب، وأزرقت وجنتيها، وصبغت عيناها بلون يذبلهما، جراء سماعها خطيبها يتلو عليها مقدمات القدر والنصيب، مبررًا تركها بإرضاء الوالدين، وأنه ملكًا لهما وأنهم أمراه بتركها لصون كرامة شقيقته التي تركها شقيق عطفة أيضًا.

الآن فقد فسرت عطفة حلمها المتكرر برؤيتها مع عزيز وهو يقدم لها كسرة خبزًا، في جزيرة جميلة تتحول فجأة لعاصفة ترابية ويسقط وجهه وتظهر ملامحه مرة أخرى هي نفسها، ولكن بعينين بيضاء اللون، ليتحول طعم الخبز في جوفها لعجينة عديمة الطعم، لم ينظر إليها أو بأي ذنبًا جنت، دون الخوف عليها أو الاستغراق لدقائق فيما سوف تلاقيه في فراقه من آلام ليس آلام الفقد فقط وإنما خيبة الأمل، وسهولة التخلي، كيف له أن يتركها وبإسم المحبة أيضًا، معللًا أنه لن يستطيع تحمل إساءات أهله في معاملتها دون أن يدافع عنها فيقع فريسة حبه لها وحبه لهما.

فجأة تلاشت صورته القديسية التي صنعتها له، والقصص الملحمية لحبهما الأبدي، الذي ولد معهما حين كان لا يملك كلًا منهما سوى 10 أعوام من العمر، فكيف لمحبة أن تقضي على الأخرى، الحب كالشجرة كثيرة الفروع أوراقها متجدده وسريعة النمو، الكراهية فقط هي الشوك الذي يظهر دون فائدة فيقتصه الزارع.

حينها قررت عطفة أن تريه حجم كبريائها وقدرتها على التماسك، رغم رهف إحساسها، ورقة مشاعرها، وأنه يهون كما قطة ألمت صاحبها فعاقبها بالطرد من المنزل، اختارت أن تبدأ بأكثر ما يخدش كبريائها، على الأقل حبس دموعها أمامه أو أمام الآخرين من أهل الحارة الذين كاد ابنائهم من الأجنة معرفة قصة الحب البريئة الطويلة التي جمعت بين عطفة وعزيز، حتى أثار ذلك عواطف أشقائهما مروة وأحمد فأصبحا يقلدنهما متوهمين المحبة.

ظلت عطفة رابطة الجأش كلما وصلت دموعها حد عينيها، أمرتها بعدم النزول، لتسقط ذات مرة مخشيًا عليها، أول ما تساءل الطبيب عنها كانت حالتها المزاجية هل تشعر بالحزن ومنذ متى، وما حيلتها في مقاومته، حينها أخبرها بأن سلوكها في حبس قطرات دمعها جعلت مخزونها من الانفعال يخرج بأي وسيلة فأختار عطب القناة الموصلة لأماكن الإدراك..  والآن يجوب في رأسي سؤال لك/ي عزيزي القارئ ألم تشعر بنوبة صداع أو دوران أو فقد وعي أو حتى غليان يسري في جسدك عقب مشاجرة بسيطة مع الأبناء أو الأخوة أو الأصدقاء أو مع الحبيب، من منا لم يكتئب يومًا أو يضحك، ولكن ما لا نعلمه أن جسدنا هو الآخر يتفاعل معانا ويتعامل كل عضو بيولوجيًا معتبرًا نفسه جسد آخر أصغر يسكن جسدك الأكبر فلكل عضو وظيفته الفسيولوجية، شعوره السيكولوجي الذي يترجم في سلوك، خلل أحدهما يأثر في الآخر حالتك النفسية قد تأثر على أعضائك فتتلفها، هناك حالات تزول بزوال الأسباب النفسية وأخرى تستمر متلفة وظائف الأعضاء المادية.. أخيرًا دعوة للتعبير عن الانفعالات بكل أشكالها، لاتضطروا أجسادكم لاختيار التعبير، فقد لا تميز أيهما أهم وأيهم أقل أهمية.