في سكون الليل أشعر بها تنساب بين ذرات الهواء المحيط بي، استشعر وجود روحك، أتحسس همسات صلاتك، ذكرك، دعائك، أسمع نبضات رجاءك لله بوضوح وكأنها لم تغيب يوم، روحك يا أبي ما زالت عالقة في عالم الأرواح الذي أنتمي وأهرب إليه كلما ضاق بي هذا العالم وصعب التفاهم مع أفراده أو كلما أصابتني الحسرة وما أكثر خيباتي يا والدي.

أبي، لماذا اخترتني من بين إخوتي لتخبرني بأنك تحبني كثيرًا وإنك راحل قبل أن يأذن الله لروحك الصعود بأيام؟! يطاردني السؤال ويحاصرني، كنت كما لم أراك من قبل، شديد الفرح كما لو لم تفرح من قبل.

بعمامة ناصحة البياض، ووجه شاب ثلاثيني بصحة عاتية، قلت لك حينها ما لم أصرح به أنا أيضا لشدة خجلي أمامك فقط، كنت أكتفي بقبلات على وجنتيك في كل مناسبة موسمية، قلت أحبك أكثر مما تتخيل يا أبي، نظرت لي بقلب وجل وأنا أيضا أحبك جدا قبل أن تترك يدك يداي الذين كنت تحتويهم.

لماذا لم تطيل الحديث يا أبي؟، ولماذا رغم شعوري بقرب الأجل، لم أودعك كما يجب في أخر زيارة وداخل مستشفى خاصة، شديدة الحرص على ألا يرقد الأهل جنب ذويهم من المرضى، خشيت أن أطيل النظر إليك وأنت في غيبوبة، فأنا لم أعتد رؤياك إلا قوي يرج صوتك الجدران، وضحكتك رقيقة كما لو كنت طفلا برئ أشار له أحد المارة، استطعت الهروب بالنظر للأجهزة الكثيرة التي كانت بها أسلاك متدلية وفي آخرها جسدك الذي انزويت عنه أنا، كنت أتأمل هذا الجهاز.

دقات قلبك أحاول تفسيرها، ماذا تعني تلك الأرقام اللعينة؟، وكيف لها أن تحدد بزيادة أو نقصان مصير وجودك معنا، دعني أخبرك باعتراف قررت أن اختلس صورة بهاتفي للأجهزة ما زلت أحتفظ بها دون وجهك، كنت أخاف أن تمحو صورتك هذه ذكريات وصور طالما عايشتك بها قوي عفي ذكي ولماح رغم كبر عمرك، لا تعاني سوى خشونة الركبة في بعض الأحيان.

أبي، أنا أستطيع التعايش مع عدم وجودك لكن الحنين، الوحشة يا أبي تهاجمني بضراوة كل ليلة، فأقرأ لك الفاتحة وأدعو لك، أتساءل لماذا لم تعد تزورني “أبي وحشتني” ابتسم حين تذكرني روحك التي تحيطني، بمناقشاتنا في السياسية وحال البلد وعظمة عبد الناصر وضلال الإخوان ومن يطلقون على أنفسهم السلف، أتذكر كلماتك مبتسما مخفض الصوت دون العادة “بنت الكلب طلع معاها حق”، المذيعة دي لبقة وبتفهم وبلسانين ذي مريم هانم”، أبي كان يراني واخواتي البنات وحفيداته هوانم، نعم هدى هانم، نسمة هانم، هنا هانم، حتى ملك ذات العامين قبل رحيله هانم..

أبي كان داعم ومتفتح رغم كونه شديد المحافظة، أبي كان يحمل كل صفات شباب الستينيات يقدر المرأة يحترمها ويقدر الحب، كان يرى أن اليتم يعاود زيارته كلما غابت أمي عن المنزل بضع ساعات لقضاء واجب المجاملة في المناسبات التي كانت تقل منها كثيرًا لعدم معرفتها الجيدة بأهالي البلدة رغم مرور أكثر من الـ٢٠عام على مكوثها بها.

أبي، أمي بخير وإن كنت أعلم أن روحك تزورها وشقيقتي الكبرى هي أيضًا.. أبي يغلبني الشوق إليك فاعذرني إن قلقت منامك دون قصد.. “أبي حبيبي عيدك في الجنة يارب”.. نكمل الليلة القادمة حين ينام الجميع كعادتنا.. تصبح على خير..