“من شال عزا” تكشف تغير مراسم العزاء في الصعيد

“من شال عزا” تكشف تغير مراسم العزاء في الصعيد لحظة تشييع الجنازة تصوير: بسام عبدالحميد

كتب: بسام عبدالحميد وأيمن الوكيل

شهدت مدينة نجع حمادي شمالي قنا في السنوات الأخيرة اختزال مراسم العزاء المتوارثة على مر العصور، في شكلها المعهود، من إقامة السرادقات وإطعام الطعام وإحضار قارئ على مدار 3 أيام، لتكون المراسم مقصورة على تشييع الجنازة أو بلهجة أهل الصعيد “من شال عزا” الأمر الذي أرجعته معظم الآراء إلى تراجع الحالة الاقتصادية للأهالي، في حين أشار البعض القليل إلى تغير الثقافة الصعايدة بعد تنامي التيارات الإسلامية عقب ثورة يناير، التي تحرم كل مراسم العزاء المتوارثة.

ورغم أنه لا توجد إحصائيات رسمية بتراجع إقامة مراسم العزاء في شكلها التراثي المعروف، إلا أن المشاهدات اليومية للمواطنين وتتبعهم لتغير ثقافة الجنازات والعزاء، تؤكد تراجع المظاهر المعروفة بنسبة 70% تقريبا.

يقول العميد شرقاوي إبراهيم، القائم بأعمال عمدة قرية الرحمانية قبلي، شمالي قنا، أن ظاهرة “من شال عزا”، باتت تشكل نسبة 70% من إجمالي الجنازات، وهي النسبة التي يتفق معه فيها عمدة قرية هو عمرو خلف الله، وعمدة عزبة البوصة مصطفى محمد، مشيرين إلى أن المراسم أصبحت تختلف من قرية لأخرى ومن عائلة لأخرى، فالبعض يكتفي بفتح “المندرة” واستقبال المعزين لثلاثة أيام وبعضهم ليوم واحد، فيما يلتزم البعض الآخر بالمقولة تماما ويكتفي بتشييع الجنازة.

مضيفة للعزاء| صورة أيمن الوكيل
مضيفة للعزاء| صورة أيمن الوكيل

بدعة حسنة

هذا التراجع أجمعت معظم الآراء على أنه “بدعة حسنة” لتوفير الأموال لأهل الميت، ومن جانب آخر لعدم شغلهم وإرهاقهم في مصابهم لمدة 3 أيام، حيث يتفق العمدة مصطفى محمد، عمدة عزبة البوصة، شمالي قنا، مع مقولة “من شال عزا”، مشيرًا إلى أن هناك بعض الأهالي كانوا يقترضون ويرهنون الذهب أو يبيعونه من أجل إقامة سرادقات العزاء.

ويؤكد العمدة أنه امتنع هو وباقي أفراد العائلة عن إقامة السرادقات الخاصة بالعزاء، موضحًا أنه تم الاكتفاء بفتح المضيفة لاستقبال المعزيين، خاصة وأن هناك بعض أفراد العائلة يأتون من محافظات بعيدة لأداء الواجب.

أيضا يشير عمدة قرية هو، إلى أنه أوصى أفراد عائلته بتطبيق المقولة والاقتصار على تشييع الجنازة، موضحًا أن العزاء في الفترة الأخيرة أصبح لا يحترم حرمة الميت، فهناك الكثير من يخوض في الأحاديث الجانبية ويتخللها كلام لا يمت للدين بصلة من خلال النميمة وغيرها من الأمور.

لحظة الدفن صورة | أبوالمعارف الحفناوي
لحظة الدفن صورة | أبوالمعارف الحفناوي

فيما يشير الأستاذ الدكتور موافي رمضان، أستاذ الاقتصاد بجامعة جنوب الوادي بقنا، إلى نقطة هامة وهي أن ما يتم ملاحظته أن الناس الأقل دخلًا هم من يغالون في نفقات العزاء، حتى يتباهوا فيما بينهم بأنهم ليسوا بأقل من الأغنياء، مشيرًا أن أهل المتوفى أولى بقيمة وتكلفة واجب العزاء التي تتراوح ما بين 10 الى 15 ألف جنيه على أقل تقدير، لاسيما أن ترك المتوفى أيتاما.

فوائد مراسم العزاء

في المقابل يرى البعض الآخر في إقامة الجنائز وإحضار قارئ نوع من السكينة لأهل المتوفى وليتدبر الحضور الآيات القرآنية للعظة، إذ يشير جمال راغب، مدير مدرسة، إلى أن وجود المقرئ في العزاء له العديد من الفوائد، فهو من يجعل المعزين في حالة روحانية ويتفكرون في الموت للعظة، وهو تنظيم للعزاء من جانب آخر.

كما يشير الشيخ محمود عبدالهادي، عضو لجنة المصالحات بقنا، إلى أهمية طقوس العزاء في الصعيد، مضيفا “نحن لا نذهب لبعضنا البعض إلا في المآتم، لوجود الشق القبلي بين العائلات، خاصة في تشييع الجنازة وأداء واجب العزاء، وأنها تخفف من الأزمة القبلية، وتساعد على عدم الاحتقان القبلي، والتوادد الطائفي، وهي شيء محبب”.

ويوافقه سعد جمعة، من الأهالي، مشيرا إلى إنه اعتاد إعداد الطعام وتقديمه في واجبات العزاء، كما هو الحال في كل القرى والنجوع، ولا يستطيع أحد أن يقصر في هذا الدور المعروف لدى الجميع، لافتاً إلى أن إعداد الطعام لا يقتصر على إقامة سرادق للعزاء أو الاكتفاء بحضور الدفن.

وللموازنة بين تلقي واجب العزاء وعدم الإسراف، يرى أحمد شمندي، محامي وعضو لجنة المصالحات بقرية القصر، شمالي قنا، أن التغيير يكون محمودا طالما كان في شكل السرادق فقط، بمعنى أنه لا سرادق ولا قرآن، بينما يحضر المعزون على مدار أيام الحداد الثلاثة ويتم إجراء كافة مراسم الاستقبال لهم.

أثناء تقديم وجبة العزاء صورة : أيمن الوكيل
أثناء تقديم وجبة العزاء صورة : أيمن الوكيل

ظروف اقتصادية أم تغير الثقافة 

وبالعودة إلى أسباب اختزال مراسم العزاء في تشييع الجنازة فقط، تنقسم الآراء، فالغالبية العظمى ترجع السبب إلى تراجع الحالة الاقتصادية للمواطنين.

يقول عادل محمود، من أهالي الغربي بهجورة، شمالي قنا، إن السبب في ذلك هو مشاغل الحياة، التي أدت إلى انشغال الجميع في السعي وراء لقمة العيش، وليس كما كان في السابق، فالهدف هو التخفيف عن باقي أفراد العائلة لمتابعة أعمالهم اليومية بدلا من المكوث 3 ليال في العزاء وإهمال في  الدنيوية.

وفي حين يرى البعض القليل أن اختزال مراسم الجنازة نتيجة لتغير ثقافة الصعايدة بعد صعود تيارات الإسلام السياسي التي تحرم هذه المظاهر، يرى الدكتور موافي رمضان، أستاذ الاقتصاد بجامعة جنوب الوادي بقنا، يصر على أن “تراجع إقامة سرادقات العزاء والاكتفاء بكلمة من شال عزا، بقصر العزاء على دفن الميت، هو نوع من أنواع الوفر الاقتصادي، وترشيد النفقات دون النظر للحكم الشرعي، وهو ما يساهم في تحسين الظروف المعيشية لأهل المتوفى”.

ويتفق معه الأستاذ الدكتور علي طلبه، أستاذ علم الاجتماع بجامعة جنوب الوادي بقنا، لافتا إلى أن العادات القديمة التي كان يمتد فيها واجب العزاء لأسبوع أو عشرة أيام تضاءلت بشكل كبير، وأصبح عزوف الناس عنها يشكل ظاهرة مجتمعية صحيحة، دون النظر للحكم الشرعي، سواء في حل ذلك أو حرمته، وإنما هو نوع من الوعي الاقتصادي، وترشيد الإنفاق، دون إسراف أو مغالاة.

غير أن ما يقوي العامل الاقتصادي أمام العامل الشرعي في اختزال مراسم العزاء في تشييع الجنازة فقط، هو إجماع المؤسسات الدينية الرسمية “الأزهر والأوقاف ومجمع البحوث” على عدم حرمة العزاء بكل ما فيه من مراسم متوارثة، وهو ما يتفق عليه كل من الشيخ أحمد عبدالجواد، مسؤول تطوير منطقة وعظ قنا، والدكتور أحمد عبداللطيف الكلحي، من علماء الأوقاف، والدكتور إبراهيم الهدهد، رئيس جامعة الأزهر سابقا، وعضو مجمع البحوث الإسلامية.

ويرى الأساتذة والشيوخ السابقين على جواز كل مراسم العزاء المعروفة، متحفظين فقط على الإسراف المبالغ فيه طبقا القاعدة الشرعية المعروفة.

الكنيسة تتفق

البيان الذي أصدره الأنبا كيرلس، أسقف نجع حمادي وتوابعها للأقباط الأرثوذكس، بتقليص أيام العزاء من 3 أيام إلى يومين ببعض القرى التابعة لإيبارشية المدينة، بناء على مطلب شعبي، يؤكد بدوره أن الأمر ليس له أساس شرعي وإنما توفيرا للنفقات في ظل الأزمة الاقتصادية التي تلت ثورة يناير.

قداس الجنازة| تصوير: أيمن الوكيل
قداس الجنازة| تصوير: أيمن الوكيل

أخيرا ومن خلال أحمد محمد، صاحب فراشة، يمكن معرفة تكاليف مراسم العزاء بالطريقة المتوارثة وكيف تغيرت الأسعار على مدار سنوات من خلال الانفوجراف التالي:

إنفوجراف يرصد تكاليف لإقامة السرادق| المصدر:أحمد محمد، صاحب فراشة
إنفوجراف يرصد تكاليف لإقامة السرادق| المصدر:أحمد محمد، صاحب فراشة
الوسوم