مهندس التحول السكاني في مصر.. «ماهر مهران» عالم جليل برتبة طبيب

مهندس التحول السكاني في مصر.. «ماهر مهران» عالم جليل برتبة طبيب الأستاذ الدكتور ماهر مهران في الأمم المتحدة، مصدر الصورة عائلة الراحل

على غلاف كتاب صدر حديثًا ظهرت صورة لرجل تعود أصوله إلى قرية الرئيسية غرب مدينة نجع حمادي شمالي قنا، ورغم تاريخه الكبير قد لا يعرفه الكثيرون من أبناء الجيل الجديد في محافظته الأم.

في الثاني والعشرين من مارس عام 1930 ولد الأستاذ الدكتور ماهر مهران، أستاذ أمراض النساء والتوليد، وزير الصحة والسكان في عهد الرئيس الأسبق محمد حسني مبارك، وأحد أهم علماء القرن الماضي، نجل المهندس أحمد مهران، المدير الأسبق لمشروعات السكك الحديدية.

الأستاذ الدكتور ماهر مهران مع الملكة رانيا العبد الله عقيلة الملك عبدالله الثاني بن الحسين ملك الأردن، مصدر الصورة: عائلة الدكتور ماهر مهران
الأستاذ الدكتور ماهر مهران مع الملكة رانيا العبد الله عقيلة الملك عبدالله الثاني بن الحسين ملك الأردن، مصدر الصورة: عائلة الدكتور ماهر مهران

نبوغ وتفوق

في السادسة عشر من عمره، التحق مهران بجامعة إبراهيم باشا الكبير “كلية طب عين شمس” وتخرج منها بتقدير امتياز ليكون ترتيبه الأول على دفعته، وأول طالب يحصد هذا التقدير في كليات الطب المصرية آنذاك، فمنحه الأستاذ الدكتور نجيب محفوظ جائزته الشخصية وسلمها له بيده، في احتفالية التخرج بحضور الأستاذ الدكتور كامل حسين مدير الجامعة في ذلك الحين.

وبحسب الدكتورة آية مهران، شقيقة الدكتور ماهر مهران، في اتصالها الهاتفي الذي أجرته مع “النجعاوية”، عمل الدكتور مهران طبيب امتياز، ثم نائبًا في قسم أمراض النساء والتوليد بمستشفيات جامعة عين شمس، ليحصل خلال هذه الفترة على دبلوم أمراض النساء والتوليد بتقدير جيد جدًا، وترتيب الأول على دفعته.

عين معيدًا بقسم أمراض النساء والتوليد بكلية طب عين شمس في عام 1956م، وهو العام الذي رشح فيه للسفر في أول بعثاته الخارجية، التي استمرت ثلاث سنوات، للحصول على درجة زمالة كلية الجراحيين الملكية بإدنبرة.

وفي 1985 حصل مهران على درجة الزمالة، واستغل فترة بعثته المتبقية في التدريب على أحدث جراحات النساء والتوليد، حتى تقدم إلى جامعة أدنبرة في عام 1960م للحصول على درجة الدكتوراه عن رسالته “التغيرات التي تحدث في جسم المرأة الحامل بالنسبة للسوائل والأملاح في حالات تسمم الحمل”.

ومنحته الجامعة درجة الدكتوراة بتقدير امتياز بدون مناقشة رسالته، تقديرًا لأدائه المتميز في أبحاثه العلمية التي قام بها، وفي نفس العام حصل على عضوية الجمعية الملكية لأمراض النساء والتوليد، قبل أن يتم تعيينه أستاذًا مساعدًا بكلية طب عين شمس في عام 1964م، ثم أستاذًا لأمراض النساء والتوليد في عام 1971م.

الأستاذ الدكتور ماهر مهران، في زيارة لقرية الرئيسية لافتتاح عدد من المشروعات التنموية، مصدر الصورة: عائلة الأستاذ الدكتور ماهر مهران
الأستاذ الدكتور ماهر مهران في زيارة لقرية الرئيسية لافتتاح عدد من المشروعات التنموية، مصدر الصورة: عائلة الأستاذ الدكتور ماهر مهران

إنسانية ووفاء

وفي حديثها لـ”النجعاوية” تقول دينا زهران، بنت شقيقة الأستاذ الدكتور ماهر مهران، والمقربة الى قلبه، إن خالها الراحل تميز بإنسانية فريدة من نوعها، مكنته من الجمع بين دراساته وعلومة التخصصية، وبين القيام بواجباته الأسرية والمجتمعية دون أن يؤثر أحدهما على الآخر، لافتة أنه كان يهتم بالاستماع للجميع ومداعبتهم بين الحين والآخر في الجلسات الأسرية، بجانب الاطمئنان على دراستهم وأحوالهم الشخصية.

وتفيد زهران أن الأعمال الإنسانية والخيرة احتلت مساحة واسعة من حياة خالها الراحل، لتتضمن فروعها إجراء الجراحات الطبية المجانية ومعالجة الحالات غير القادرة، إضافة إلى تخصيص رواتب غير معلومة لأشخاص بعينهم، فضلًا عن رفضه افتتاح مستشفى باسمه حتى لا يؤثر على زملائه في مجال تخصصه الذي نبغ فيه.

توضح دينا زهران أن خالها كان دائم الاتصال بأفراد أسرته في بعثاته الخارجية، وخلال مؤتمراته الدولية للاطمئنان عليهم، مشيرة إلى أنه كان يخصص وقتًا كبيرًا يقبع فيه خلف مكتبه بمقر إقامته للأبحاث والدراسات العلمية، واستقبال طلابه من الباحثين في رسائل الماجستير والدكتوراة، إضافة إلى إجرائه لمحادثاته الهاتفية الداخلية والخارجية بالعلماء والجراحين والشخصيات العامة وكبار رجال الدولة الذين كانت تربطهم به علاقات طيبة.

وحول اتصاله بقريته الأم، يوضح صفوان مهران، المدير العام الأسبق، ابن عم الراحل، أنه كان على اتصال دائم بأبناء قرية الرئيسية، وإن كانت أبحاثه العلمية وبعثاته الخارجية ومهام منصبه قد حالت دون تواجده الدائم بمسقط رأس عائلته، لافتًا أنه رافقه في إحدى زياراته للقرية وافتتاحه للمشروعات التنموية بها.

ويضيف أحمد هاني أحمد توفيق مهران، مدير عام الشؤون القانونية باتحاد الإذاعة والتليفزيون، أن ابن عمه الوزير الراحل كان من أكثر الناس شغوفًا بالعلم والعلماء، لافتًا أنه تميز خلال حواراته المتلفزة وأحاديثة الصحفية بتقديم النصائح العامة، والتوجيهات التخصصية الدقيقة، ومناقشته للقضايا المجتمعية بنظرة موضوعية تعتمد على الدراسة العلمية وتقديم الحلول الجذرية لها، فضلًا عن إجادته التامة للغات الإنجليزية والفرنسية والألمانية، واهتمامه باللغة العربية وتاريخ الطب والعلوم الإنسانية.

ويذكر المهندس صلاح همام أحمد توفيق مهران، أحد أفراد العائلة، أن الوزير الأسبق لا تزال سيرته مادة للفخر والشرف بين أبناء قريته، يستلهم منها أفراد العائلة دروس المجد والرفعة والنبوغ، راويًا أن الشباب في جلساتهم اليومية يستذكرون حكاياته ورواياته وإنجازاته في المحافل الدولية للاستفادة منها، وجعله مثلًا أعلى يحتذى به في كل شئ.

الأستاذ الدكتور ماهر مهران، بين أبناء عمومته في قريته الرئيسية بنجع حمادي، مصدر الصورة: عائلة الأستاذ الدكتور ماهر مهران
الأستاذ الدكتور ماهر مهران بين أبناء عمومته في قريته الرئيسية بنجع حمادي، مصدر الصورة: عائلة الأستاذ الدكتور ماهر مهران

ويلفت مهران إلى أن العائلة أصدرت كتابًا يلخص سيرة عالمها الراحل، مشيرًا إلى أن الكتاب الجديد الذي يحمل عنوان “الأستاذ الدكتور ماهر مهران.. خمسون عامًا من الإنجازات” يتناول تاريخ العالم الراحل وإنجازاته الطبية، ودوره في الحد من المشكلة السكانية، بجانب المؤتمرات المحلية والدولية التي ترأسها أو شارك فيها، وكذلك الجوائز الممنوحة له.

الكتاب الجديد الذي أصدرته العائلة بتاريخ ابنها الراحل، تصوير: ايمن الوكيل
الكتاب الجديد الذي أصدرته العائلة بتاريخ ابنها الراحل، تصوير: أيمن الوكيل

الأبحاث العلمية

نفذ مهران أكثر من 100 بحث علمي، فاستطاع أن يثبت أن مرض تسمم الحمل ينتج عنه زيادة كميات أملاح الصوديوم والمياه في جسم المرأة الحامل، وتمكن من التنبؤ بحدوث المرض قبل ظهور أعراضه باستعمال المواد المشعة، وأنشأ أول عيادة لتنظيم الأسرة بجامعة عين شمس في عام 1962م.

وتمكن مهران من علاج حالات الإجهاض المتكرر التي تنتج عن ضعف العضلة الداخلية للرحم، بأبحاث علمية استمرت لمدة 7 سنوات، بجانب إشرافه على العديد من الدراسات والرسائل العلمية “الماجستير والدكتوراة” في مجال تنظيم الأسرة ووسائله المختلفة.

أنشأ الأستاذ الدكتور ماهر مهران، عيادة خاصة لعلاج تسممات الحمل، وأنشأ وحدة كاملة لاستعمال الموجات فوق الصوتية لتشخيص أمراض الحمل والجنين، وهو أول من أدخل استعمال مناظير البطن بمستشفيات جامعة عين شمس في عام 1973م وهو العام الذي أنشأت فيه الجمعية العلمية لطلبة طب عين شمس والتي مازلت تمارس نشاطها حتى الآن.

أدخل الأستاذ الدكتور ماهر مهران جراحة جديدة لربط عنق الرحم عن طريق فتح البطن لعلاج الحالات الميئوس منها في عام 1973م، وتمت دعوته لإجراء جراحته الجديدة بعدد من الدول الأوربية آنذاك.

وشغل العالم الراحل العديد من الوظائف القيادية والإشرافية، حيث ترأس الأستاذ الدكتور ماهر مهران، لجنة ترقية أساتذة أمراض النساء والتوليد على مستوى الجمهورية، حتى عام 1993م، وتم تعيينه وزيرًا للصحة والسكان في عام 1993م حتى عام 1996م.

تابع العالم العربي والدولي أبحاث الأستاذ الدكتور ماهر مهران فتم اختياره مقررًا للجنة ترقية أساتذة أمراض النساء والتوليد بجامعة الملك فهد بن عبدالعزيز بجدة في المملكة العربية السعودية، كما اختير ممتحنًا خارجيًا لدرجة البكالوريوس والماجستير في الجامعات العربية في عمان والخرطوم وطرابلس ودبي.

وترأس مهران اللجنة المصرية الدائمة التي تمثل الكلية الملكية لأمراض النساء والتوليد بلندن، وعين عضوا دائما في لجنة الأمومة في هيئة الصحة العالمية في جنيف، وعضوًا بلجنة التبادل العلمي بين جامعة عين شمس وجامعة زغرب في يوغوسلافيا.

وفي عام 1977م انتخبت الجمعية الدولية لتسممات الحمل ومقرها بازل بسويسرا الأستاذ الدكتور ماهر مهران رئيسًا لها، وتولى بعد ذلك الإشراف على عقد المؤتمر الدولي العاشر لتسممات الحمل بالقاهرة، قبل أن يعين عضوًا بالمجلس القومي للخدمات أحد المجالس الطبية المتخصصة، وعين رئيسًا سابقًا بنادي هليوبوليس.

وفي عام 1985م أصدر الرئيس الأسبق محمد حسني مبارك، قرارا جمهوريًا بتعينه مقررًا للمجلس القومي للسكان، ثم عين عضوًا بمجلس الشورى في أكتوبر عام 1986م، و ترأس لجنة الصحة والسكان به، ثم أعيد تعيينه بموجب قرار رئيس الجمهورية رقم 199 لسنة 1998 في 21 يونيه 1998م.

تولى الوزير الأسبق رئاسة المؤتمر العالمي للسكان والتنمية خلال انعقاده في القاهرة في الفترة من 4 إلى 15 سبتمبر 1994م.

شارك الأستاذ الدكتور ماهر مهران في العديد من المؤتمرات المحلية والخارجية، سواء برئاسته أو بمشاركته ببحوثه العلمية، وكان رائدًا في مجال تنظيم الأسرة، وتطوير البرامج الخاصة بها، بالتعاون مع الهيئات الدولية والجامعات العلمية المتخصصة.

ومع تجدد المطالبات بتحديد النسل للسيطرة على الزيادة السكانية، تشير الإحصائيات الرسمية إلى أنه في فترة تولي الأستاذ الدكتور ماهر مهران مسؤولية برنامج تنظيم الأسرة في مصر، حدث تغير كبير فيها، حيث أدت جهوده إلى اعتبار المشكلة السكانية أم المشاكل في الدولة المصرية مع تكثيف الجهود للعمل على حلها، مما أدى إلى تحول ديموجرافي ضخم في أقل من 10 سنوات خلال هذه الفترة، فانخفض معدل المواليد من 39.8 في الألف إلى 26.39 في الألف.

أسرة الوزير

تزوج الأستاذ الدكتور ماهر مهران من السيدة لويز ألمانية الجنسية، وأنجب أحمد “رجل أعمال”، وشيرين التي توفيت وعمرها 12 عامًا، والتي كانت وفاتها الصدمة الكبرى في حياة العالم الراحل، قبل أن ينجب ابنته الصغرى ريم “ربة منزل”.

وفاته

رحل الأستاذ الدكتور ماهر مهران، الطبيب والأستاذ الجامعي والعالم الكبير، بن قرية الرئيسية الذي ينتمي إلى قبائل الهوارة بمحافظة قنا في سبتمبر عام 2002م، بعد أن أفنى حياته في محاريب العلم، وقدم علومًا فريدة تجني البشرية فوائدها جيل بعد جيل.

الوسوم