مهن لا يفضلها القناوية تجذب العمالة الوافدة من “بحري”

مهن لا يفضلها القناوية تجذب العمالة الوافدة من “بحري” العمالة الوافدة تفتح أبواب الرزق في نجع حمادي، تصوير: أيمن الوكيل
كتب: بسام عبدالحميد، أيمن الوكيل:

في الصعيد، عادة ما يفكر الشباب عند البحث عن فرصة عمل في الذهاب للعاصمة، التي ضج قاطنوها بالوافدين الجدد كل عام، أو وجه بحري، اعتقادا منهم بأن الرزق الواسع يكمن في محافظات الوجه البحري، لكن يبدو أن هذه القاعدة تغيرت في قنا مع اتجاه العمالة الوافدة من بحري إليها.

فما بين بائع متجول، وصاحب حانوت صغير، وآخر يقف خلف عربة الفول أو الدندورمة المثلجة، وصولًا الى صالونات قص الشعر، باتت المحافظة الطاردة للشباب، الأكثر جذبًا لأبناء الوجه البحري الباحثين عن فرص العمل.

احد مشروعات العمالة الوافدة بنجع حمادي لبيع الدندورمة، تصوير: أيمن الوكيل
احد مشروعات العمالة الوافدة بنجع حمادي لبيع الدندورمة، تصوير: أيمن الوكيل

العمالة الوافدة في نجع حمادي

“الرزق كثير ومصادره متعددة، العبرة بمن يسعي” يلخص خلف محمد عبداللطيف، القادم من محافظة سوهاج، بعبارته السابقة مشواره في البحث عن العمل، بعد حصوله على دبلوم تجارة، والعمل “باليومية” مع طوائف المعمار المختلفة بمحافظات الوجه البحري، قبل أن يستقر به الحال هنا في محافظة قنا، لافتًا أنه وصل الى مدينة دشنا، شمالي المحافظة، في عام 2011م، بائعًا للفول المدمس، الذي يتقن طهيه، على عربة خشبية، تساعده في التنقل بين القرى والنجوع.

في عام 2014م غادر عبداللطيف، مركز دشنا الى قرية الرحمانية قبلي شرق مدينة نجع حمادي،  وبدأ الشاب السوهاجي في تطوير تجارته التي كانت تقتصر على بيع الفول، فأدخل عليها صناعة وبيع “الدندورمة” وألواح الثلج، ومع اتساع رزقه استقدم زوجته وأولاده للعيش معه، ووفد اليه عدد من أبناء محافظته للعمل في مشروعه الصغير، ليصل عددهم الى نحو 10 أفراد.

خلف عبداللطيف، وافد من محافظة سوهاج، مدير المشروع، تصوير: أيمن الوكيل
خلف عبداللطيف، وافد من محافظة سوهاج، مدير المشروع، تصوير: أيمن الوكيل

هلال محمد، مصفف الشعر، الوافد من محافظة كفر الشيخ، يحكي لـ”النجعاوية” تجربته في العمل في مراكز محافظة قنا، قائلًا: تواصل معي أحد أصدقائي الذي يعمل بـ”صالونات الحلاقة” في مدينة نجع حمادي للعمل معه، ومع مرور الوقت، بدأت أفكر في افتتاح صالوني الخاص، وفضلت القرية عن المدينة.

يشير يحي، الى أنه افتتح أول صالون تصفيف شعر له بإحدى قرى شرق النيل، ولما توسعت أبواب الرزق، طلبت من أصدقائي أن يأتوا الى هنا، وافتتحنا عدد من الصالونات الأخرى في أكثر من قرية، لافتًا أن بعض الأهالي في قنا يعتقدون أن مهنة “الحلاقة” من المهنة الغير مستحبة لهم.

شاب وافد من محافظة كفر الشيخ للعمل في نجع حمادي، تصوير: أيمن الوكيل
شاب وافد من محافظة كفر الشيخ للعمل في نجع حمادي، تصوير: أيمن الوكيل

إقامة دائمة

يقول ممدوح زكريا، بائع متجول للملابس، إنه منذ عام 2009، أتى من محافظة أسيوط، إلى قرية عزبة نقيب بمدينة نجع حمادي، وأقام فيها، بعد أن استأجر هو وعدد من أصدقاءه، ليبحثوا عن لقمة عيشهم، والسعي وراء الرزق، بعد أن كانوا يستقلوا القطار بشكل يومي، والعودة إلى بلدهم.

يتابع زكريا، أن الفكرة في المكوث بقنا، هو أن هناك العديد من القرى التي وجدنا فيها زبائننا المداومين على الشراء، خاصة وأننا كونا سمعة وذاع صيتنا في بيع “بضائع البورسعيد”، مشيرًا إلى أن السيدات في القرى لا يشترين شيء الا من بضاعتنا التي نقوم بترويجها.

ويوضح البائع المتجول، أن السعي وراء الرزق والعمل على فتح فرص عمل خاصة، أفضل مئة مرة من انتظار الوظائف الحكومية التي لم تعد موجودة، فبالبحث والتنقيب ومصارعة الحياة، تتفتح أبواب الرزق للجميع، أما الانتظار والمكوث على المقاهي، نهايته إما السرقة أو ارتكاب المخالفات التي يجرمها القانون.

صاحب صالون حلاقة قادم من محافظة كفر الشيخ، تصوير: أيمن الوكيل
صاحب صالون حلاقة قادم من محافظة كفر الشيخ، تصوير: أيمن الوكيل

مكاسب مجزية:

عاطف لبيب، بائع بليلة وفول، أتى من مدينة جرجا، في محافظة سوهاج، سعيًا وراء الرزق، بعد أن حصل على ليسانس دراسات إسلامية وعربية، منذ عام 2008، ولم يجد وظيفة حكومية حتى تلك اللحظة، رغم تقدمه بأوراقه لكافة الوظائف التي يتم الإعلان عنها، ليقرر البدء في عمله الخاص.

يشير لبيب، إلى أن البداية كانت مع أبناء عمه الذين غادروا مدينتهم، وتوجهوا تلقاء نجع حمادي، منذ 15 عامًا، الذين أشاروا اليه بالانضمام اليهم وكسب لقمة العيش، من بيع البليلة والفول، على العربات الكارو، موضحًا، أن دخله الشهري يصل إلى 4 الاف جنيه، بعد دفع التكاليف الخاصة بالخامات وغيره.

منتجات زغلول للحلويات، أحد الوافدين الى نجع حمادي، تصوير: مريم الرميحي
منتجات زغلول للحلويات، أحد الوافدين الى نجع حمادي، تصوير: مريم الرميحي

الحلواني السوهاجي:

“زغلول الحلواني” واحد من أشهر وأقدم محال الحلويات في المدينة، قبل سنوات طويلة كان صاحب المحل نفسه يقف في أحد شوارع المدينة يبيع الحلوى على “فاترينه” صغيرة، بجوار مقهى الضاني القديم القريب من كورنيش النيل.

ولد الحاج زغلول الحلواني كما يشتهر بين أهالي نجع حمادي في مركز جرجا بمحافظة سوهاج عام 1942، وفي 1976 قدمت عائلته إلى نجع حمادي  واستقرت بها.

ورث زغلول المهنة عن والده وجده وأعمامه أشرف ومجدي زغلول كانوا هم أيضًا طهاة مهرة لدى عائلة ارستقراطية بمحافظة أسيوط في عهد الملك فاروق وكانوا مشهورين بين سكان شارع “المغنى”، عمل زعلول مع والده وعمه عبداللاه في التاسعة من عمره بمرتب 90 قرشًا طوال العام بمعدل تعريفة كل يومين.

يروي زغلول في حديث سابق لـ”النجعاوية” مشواره قائلًا: في عام 1963 وبعد زواجي بـ3 سنوات بدأت العمل في نجع حمادي، كنت أجلب الحلوى من جرجا وأبيعها في الفترينة بقهوة الضاني على كورنيش نجع حمادي “كانت وش الخير” وعاملني أهالها معاملة حسنة حتى صرت منهم، وفي عام 1976 جلبت أبي وأمي وأشقائي الصغار حينها كمال ومحسن وهم أشهر حلوانية في النجع حاليًا وزوجتى وأولادي للإقامة بالمدينة.

أحد الوافدين من المحافظات الأخرى لبيع المنتجات اليدوية في نجع حمادي، تصوير: بسام عبد الحميد
أحد الوافدين من المحافظات الأخرى لبيع المنتجات اليدوية في نجع حمادي، تصوير: بسام عبد الحميد

اختلاف المجال:

خلف علي، حاصل على بكالوريوس الخدمة الاجتماعية، يقول إن بعض الشباب بدأ بالفعل في الإقتداء بالوافدين الذين نجحوا في إقامة مشروعاتهم الصغيرة، وعلى رأسها الأنشطة التجارية، مشيرًا الى أن فكرة السفر الى محافظات الوجه البحري لم تعد مستحبة كما كانت في الماضي.

عربات بيع الفول الخشبية، أحد مشروعات العمالة الوافدة بقرى نجع حمادي، تصوير: بسام عبدالحميد
عربات بيع الفول الخشبية، أحد مشروعات العمالة الوافدة بقرى نجع حمادي، تصوير: بسام عبدالحميد

أسباب الإغتراب:

وحول أسباب اتجاه الشباب للعمل في محافظات أخرى بمهن لا يرغبون في عملها في محافظاتهم، يقول الدكتور محمود حامد، أستاذ الإقتصاد بجامعة جنوب الوادي بقنا، أن فرص العمل المتواجدة داخل المحافظات الطاردة للشباب، قد تكون غير مناسبة للأفراد من الناحية الاجتماعية، لمخالفتها للعادات والتقاليد، كمهنة “الحلاقة” وصناعة الأحذية، إضافة الى عدم القدرة على تحمل المخاطر، وتفضيل العمل تحت قيادة الآخرين.

ويلفت حامد، إلى أن الغريب لديه القدرة على التحدي، وتحمل مشاق المهنة، حتى لا يعود إلى أهله دون تحقيق هدفه المنشود، بجانب أن البعض يعتمد على فكرة أنه غير معروف في البلد فيتحرك بحريته، مشيرًا إلى أن التمويل والحرف الموجودة، وخلق المشروعات من أهم العوامل المتحكمة في طرد المحافظة للعمالة أو جذبها لها.

ويضيف أستاذ الإقتصاد بجامعة جنوب الوادي، أن الجامعات والشركات والمؤسسات ذات العلاقة، بجانب مؤسسات المجتمع المدني، عليهم مسؤولية مباشرة في توعية الشباب بإقامة المشروعات الصغيرة ومتناهية الصغر داخل مجتمعاتهم، وتنميتها اقتصاديًا واجتماعيًا.

بائع الدندورمة الوافد من محافظة سوهاج الى نجع حمادي، تصوير: أيمن الوكيل
بائع الدندورمة الوافد من محافظة سوهاج الى نجع حمادي، تصوير: أيمن الوكيل

جهل الهوية:

ويقول الدكتور سيد عوض، أستاذ علم الاجتماعي بجامعة جنوب الوادي بقنا، إن الشباب يحب التنقل إلى المحافظات المختلفة التي لا يعرف فيها أحد، للعمل في أي أعمال حرة لا يقبل أن يراه فيها أحد من أقاربه، وذلك من الطبيعة البشرية.

وأشار إلى أن الشباب ينفر من العمل في مكان يعرف فيه، خاصة وأن يستطيع عمل أي شيء في مكان لا يعرفه فيه أحد، مشيرًا إلى أن هناك العديد من الشباب يعمل في مهن بيع الفول والحلاقة وغيرها من المهن، مما يؤدي إلى تغيير في الطبقات الاجتماعية من خلال المصاهرة والزواج من فتيات من محافظة محل العمل.

الدندورمة، أحد مشروعات العمالة الوافدة في نجع حمادي، تصوير: أيمن الوكيل
الدندورمة، أحد مشروعات العمالة الوافدة في نجع حمادي، تصوير: أيمن الوكيل

الوافدين 10%:

وأوضح مصدر بمركز الإحصاء بقنا، أن نسبة الوافدين من المحافظات الأخرى بالمحافظة لا تتجاوز الـ 10% ، يعمل معظمهم في الأنشطة التجارية غير المرخصة، بينما تعمل النسبة القليلة منهم في المصانع والشركات والمهن المختلفة، لافتًا إلى أن المراكز المشهورة داخل المحافظة تعتبر الأكثر جذبًا للوافدين من المراكز والقرى الأخرى، حيث يقبل عليها أبناء المحافظة للتجارة والتسوق.
الوسوم