فور تخرجي بدرجة البكالوريوس من الجامعة الأمريكية كنت أتطلع لوظيفة تستوعب طاقتي ومعنديش مشكلة أقضي كل نهاري في الشارع لإنجاز مهامي الوظيفية فحصلت على وظيفة في أحد وكالات الأنباء اليابانية وكنت أقضي نهاري في تغطية الاحداث وليلي في متابعة تطورات الوضع في سوريا، وأحيانا في تغطية المظاهرات في ميدان التحرير ليكون تقريري الصحفي جاهزاً في التاسعة صباحاً على مكتب مدير الوكالة.

في خلال عام اتعلمت كتير لكن اشتقت للدراسة والكتب، كما ان اهتمامي بالفهم الصحيح للإسلام زاد بعد ثورة 2011 خاصة بعد ظهور الفصيل الاسلامي كمرشح محتمل للرئاسة وتداخل مفهوم السياسية بالدين. بالنسبة لي لم يكن الدين مجرد موروث أو كلمة على بطاقة هويتي ولم أتقبل ما يحمله الأخرون من مشاعر سلبية أو ايجابية مالم تكن موضع شك ودراسة حتى أصل لليقين الذي يرضي عقلي وقلبي.

لذلك تقدمت لدراسة الاسلام وحصلت على دبلوم في الدراسات الاسلامية من أحد المعاهد التابعة لجامعة القاهرة وبعد عامين من الدراسة التحقت بالمجالس العلمية بالجامع الأزهر للتعريف بالإسلام للمتحدثين باللغة الانجليزية ثم عدت إلى حيث أنتمي وبدأت رحلتي لدراسة ماجستير الصحافة والاعلام في الجامعة الأمريكية، وها أنا استكمل دراستي أملاً أن انتهي من مناقشة الرسالة قريباً.

أشعر أحياناً أني دخلت مثلث برمودا التعليمي حيث لا نهاية وناس كتير تسألني “أخدتي إيه من التعليم؟” وأصدقكم قولاً سألت نفسي كتير لسؤال ده. أثناء كل مرحلة تعليمية اشعر أنني أكثر وعياً وبقيت عارفة نقط ضعفي ونقط قوتي، بعرف أحل مشاكل كتير بتقابلي، ليس فقط على المستوى الأكاديمي ولكن على المستوى الاجتماعي أيضاً. اساتذتي وزملائي شجعوني اقرأ كتب لا اعتقد إني كنت هقرأها يوماً إما لأنها غير متوفرة خارج مكتبة الجامعة أو لمجرد أني اختلف مع معتقدات المؤلف مثلاً.

قابلت شخصيات كان أقصى طموحي إني أقرالهم كتاب أو اتفرج عليهم في التلفزيون؛ مش بس كدة أنا بقيت بقعد معاهم وبناقشهم في أفكارهم. بفضل دراستي عرفت ان فيه حاجات كتيرة تستحق التجربة والمخاطرة والخروج من دائرة الراحة اللي حاصرت نفسي بيها، طول عمري مثلا اسمع واقرأ أن الأكل الآسيوي سيء للغاية واكتشفت بعد سفري لآسيا، أثناء رحلة علمية، أنه شهي جداً ويعد من أغنى الأطباق بالعناصر الغذائية ويتميز بالتنوع فالحلو والحادق في نفس الطبق.

بالإضافة لذلك أصبحت قادرة على التعايش مع من يختلف معي، ومبقتش متحفزة طول الوقت خوفاً على معتقداتي من “غريب الفكر أو المظهر أو التصرف” واستبدلت كلمة “غريب” بـ “التعدد” فأصبحت أرى الرحمة في جميع اشكال التعدد وهذه إحدى غايات الخالق أن يكون الناس شعوبا وقبائل شتى، وأكرمهم عند الله أتقاهم.

بفضل دراستي أيضاُ أصبحت أبحث عن حقيقة الأشياء حتى في داخلي وده ساعدني على النضج لأن النضج مقرون بوعي بحقيقة المشاعر حتى فيما أخجل من البوح به. كما أن البحث عن الحقيقة لا يعنى أبداً الجدال لأجل الجدال أو لإثبات شئ فده مضيعة للوقت واستنزاف للطاقة، إنما رحلة البحث عن الحقيقة تتطلب حسن الاستماع والشجاعة لأني لا أعرف ما سأنتهي إليه أو أن ما سأنتهي إليه هو ما كنت أود أن أجده في نهاية الرحلة.

خلال دراستي قابلت بنات وسيدات كانوا مصدر إلهام بالنسبالي، كل منهن تخوض معركتها الخاصة ومنهن المسئولة مادياً عن أطفال أو عائلة بالكامل، ومنهن من تعمل–بجانب مسئولياتها الأسرية- في منصب قيادي بجانب دراساتها العليا رغبةً في مستقبل أفضل لها ولأسرتها لأن ما تتعلمه سينعكس بالطبع على تربية أطفالها أو خبراتها العلمية والحياتية.

بجانب كل ده الدراسة فتحتلي أبواب اتعرفت منها على هوايات واهتمامات يعني مثلا الطريق ابتدا بمادة درستها عن الفكر الفلسفي والتصوف في الإسلام ومن بعدها ابتديت أقرأ عن الصوفية وأقابل مشايخ طريق ومريدين، وزاد إعجابي بالتصوف فبقيت أحضر حفلات موسيقى دينية وأخد دورات تدريبية عن الفن والمعمار الاسلامي. وأثناء سفري للمملكة المغربية اكتشفت الجانب الروحي والنزعة الصوفية عند المغاربة وعلاقة مشايخ الصوفية في المغرب بمصر عبر العصور، وانتهى الأمر ان موضوع رسالة الماجستير هو الموسيقى الروحية والدينية في مصر.

أما العمل التطوعي والخدمة المجتمعية فهم من أهم الحاجات اللي رسختها الدراسة فيا، فمع كل خطوة بتقدمها في حياتي العلمية أو العملية بكون عايزة أشوف أثرها على تنمية المجتمع. ولذلك أتمنى أقضي وقت في الصعيد بعد انتهائي من رسالة الماجستير للمشاركة في أحد مجالات التنمية.

ناس كتير بتسألني: إيه فايدة التعليم ده كله لو مش بتقبضي بالدولار أو مرتبك مش بيأمنلك مستوى معين من المعيشة؟ ببساطة لو قستها بالمادة معتقدش إن الفلوس كانت هتعملي أكتر من اللي عملته.