الحفيدة والعصا والطبلة والصوت الجهوري.. أدوات “الجد يونس” لإيقاظ أهالي قريته للسحور

الحفيدة والعصا والطبلة والصوت الجهوري.. أدوات “الجد يونس” لإيقاظ أهالي قريته للسحور يونس أقدم مسحراتي في الدرب بنجع حمادي

وجهه الملئ بالتجاعيد، وجسده النحيل، وعيناه الغائرتان، كلها مظاهر توحي بوهن الرجل وعدم تحمله التعب، إلا أنه ورغم هذا كله، لا يتوقف عن الخروج قبل فجر كل يوم من أيام شهر رمضان، لينادي على سكان منطقة الدرب قارعًا طبلته “إصحى يا نايم وحد الدايم رمضان كريم”، هو الجد محمد يونس، المسحراتي الأقدم في منطقة الدرب بنجع حمادي.

يبلغ يونس من العمر قرابة التسعين عامًا، لم يمتنع خلال عام واحد منها عن العمل كمسحراتي للقرية، فهو يرى في إيقاظ أهلها لتناول طعام السحور وأداء صلاة الفجر مسئوليته الخاصة، التي ورثها عن والده، ويعبر عن قرب هذه العادة من قلبه بقوله: “لو مطلعتش أنادي ع الناس للسحور محسش إن رمضان جه”.

ويعود الأصل التاريخي للمسحراتي إلى عهد الدولة العباسية، وتحديدًا في عام 238 هجريًا، حينما لاحظ عتبة ابن اسحق، والي مصر في ذلك الوقت، أن الناس لا ينتبهون لوقت السحور، فتطوع هو بنفسه للقيام بالتسحير، وكان يذهب ماشيًا من مدينة العسكر بالفسطاط إلى جامع عمرو بن العاص، وينادي الناس بالسحور، وانتشرت بعدها مهنة المسحراتي في مختلف البلدان العربية والإسلامية ، وأول من استخدم الطبلة في إيقاظ الناس للسحور هم المصريين، فدق المسحراتي على الطبلة قبل الإمساك بساعتين للمناداة بالسحور، هو عاده مصرية أصيلة.

لكن طبلة يونس تختلف عن طبلة أي مسحراتي آخر، فهى طبلة “أصيلة” على حد وصفه، مصنوعة من “جلد ميتة” أي جلد حيوان ميت يتم نقعه داخل مياه مملحة لمدة يوم واحد، ثم يتم شده على إطار، ويعتز الجد يونس بطبلته العجوز قائلًا “دي أصيلة مهما ضربت عليها متترخيش”، أما من يدعوهم الجد يونس “شباب المسحراتية” فإنهم يستخدمون الرّق والدف في الإيقاظ للسحور، وهى أدوات يعتبرها خاصة بالأفراح أكثر من كونها أدوات تسحير.

الطبلة، والعصا، وصوت جهوري، هي أدوات الجد يونس، التي يصطحبها كل ليلة في يده، ويصطحب معها إحدى حفيداته لأبنه في اليد الأخرى، يسترشد بها بسبب ضعف بصره، ويستعين بها أثناء تجوله في شوارع القرية لإيقاظ النائمين.

ويرى الجد يونس أن التطور الذي حل في العقود الأخيرة هو السبب في اختفاء المظاهر الرمضانية الجميلة من بيننا، والتي يعتبر المسحراتي من أبرزها، فالأقمار الصناعية والإنترنت، جعلت الشباب يقضي ليلته ساهرًا حتى صلاة الفجر، وحتى من ينامون، فإنهم يستبدلون المسحراتي بأدوات التنبيه الإلكترونية.

وصحيح أن التكنولوجيا سرقت منا الكثير من المظاهر التي ظلت تميز شهر رمضان قرون طويلة، لكن بقاء الجد يونس وأمثاله ممن يتمسكون بالعادات ويورثونها لأبنائهم، هو الضمانة الوحيدة لبقاء السمات الرمضانية المصرية حية بين الناس.

الوسوم